هيئة علماء المسلمين في العراق

\"الماء يغسل الدم، ولكن هل تمحى الذاكرة ؟\"
\"الماء يغسل الدم، ولكن هل تمحى الذاكرة ؟\" \

\"الماء يغسل الدم، ولكن هل تمحى الذاكرة ؟\"

في بداية هذا الأسبوع كان الاف الفلسطينيين في غزة في حداد على ثمانية عشر شخصا من أبناء بيت حانون قتلوا بنيران دبابات اسرائيلية. رئيس الوزراء الاسرائيلي أهود أولمرت عبر عن أسفه وبدأ بعض الاسرائيليين باعادة تقييم النزاع مع الفلسطينيين. حين وصلت الى البيت توجهت مباشرة الى الشرفة.
سلطت المياه على حذائي محاولا غسله، حاولت جاهدا ازالة اثار الدماء، وتركته على الشرفة يجف.
ثم أخذت حماما، غسلت شعري، غسلت أسناني. شوارع بيت حانون كانت قذرة، وأنا أريد استعادة احساسي بالنظافة.
الشوارع كانت متربة. لقد تركت الدبابات الاسرائيلية اثارها عليها وعلى الحوانيت على جانبيها.
سقط جدار المدرسة المدرسة الثانوية، واجتث السياج الذي كان من المفروض أن يمنع الأطفال من مغادرة حرم المدرسة.
على أحد الأرصفة بقع دماء جافة، تذكر بامرأة سقطت هناك. وفي أحد الشوارع الهادئة قرأت تفاصيل القصة من تعابير الوجوه.
كان الناس يصطفون على جانبي الطريق، بعضهم كان واقفا، وبعضهم اختار الجلوس. كانوا يحدقون باللاشيء، ببعضهم البعض، أو ينظرون الى الأرض متفكرين . كان هناك من لف ذراعه حول كتف جاره مواسيا، رأيت دموعا في عيني رجل يمارس طقوس حزنه وحيدا. كان للجميع نفس النظرة.
لاحظت النظرة لأنها لم تكن ما تراه في العادة، نظرة الحقد والرغبة في الانتقام. ما رأيته الان كان نظرة الصدمة. لاحظت شخصا كنت أعرفه. سائق تكسي أقلني من معبر ايريز في وقت سابق، اسمه رائد. كانت له نفس النظرة. لم يكن يبكي، ولكن كان يمكن قراءة شيء ما في نظرته يوحي بما يحس.
"كم من أفراد عائلتك فقدت ؟" سألته، فأجاب: "كلهم". وأضاف: "يغمرني شعور بالكراهية: كراهية بوش، واسرائيل والعالم العربي وأوروبا".
كلمات رائد تنطق الكراهية، ولكن عينيه تحكي الألم.
عصي على الفهم
حين وصلت الى البيت لاحقا هاتفت صديقة اسرائيلية. كان صوتها يوحي بألم عميق. انها يسارية حقيقية، كانت دائما كذلك. أمثالها الان في المجتمع الاسرائيلي قليلون.
قالت لي ان صديقة لها هاتفتها ،وقالت أنها تخجل من الاتصال بأصدقائها في العالم. قلت لها ان ما حصل ليس ذنبها، قالت لي انها تدرك ذلك. قليلون هم الاسرائيليون الذين يعبرون عن مشاعر كهذي.
الكثيرون يعبرون عن الأسف، خاصة بسبب مقتل أطفال، ولكن الكثيرين يواجهون صعوبة في فهم الفلسطينيين. من الأسهل لهم أن يلوموهم. على الناحية الأخرى الوضع مشابه.
في بداية الأسبوع قابلت فلسطينيا قال لي ان معظم جيرانه يعتقدون ان كل الاسرائيليين جنود، وأضاف :"هم لا يرون الا جنودا. حاولت أن أوضح لهم انهم اباء وأمهات، مثلنا تماما".
وهذه هي المأساة هنا، لا يفهم أي من الطرفين الاخر.
"المتشددون يحتكرون المشهد"
الهوة بين الطرفين من العمق بحيث لم يعد أي منهما راغبا في محاولة فهم الاخر.
في ذكرى اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق اسحق رابين تحدث ديفيد جروسمان، وهو كاتب يساري مرموق، تحدث عن أزمة تمر بها اسرائيل وعن فشل عملية السلام.
قال جروسمان :يمكن لوم الفلسطينيين أيضا، ولكن انظروا اليهم بشكل مختلف، وليس فقط الى المتشددين بينهم.انظروا الى غالبية هذا الشعب البائس الذي ارتبط مصيره بمصيرنا شئنا أم ابينا".
المحزن في الأمر ان معظم الاسرائيليين لا ينظرون الى الفلسطينيين على الاطلاق.
يبدو لي ان المتشددين في الجانبيين يحتكرون المشهد، وأصواتهم هي التي تسمع.
بعد يوم من التقتيل في بيت حانون امتلأت الصحف الاسرائيلية بالتعليقات.
البعض كتب انه كان يمكن تجنب ذلك، لو توقف الفلسطينيون عن اطلاق الصواريخ على بلدات اسرائيلية، عندها لن تقصف اسرائيل غزة.
معلق اخر كتب: بالنسبة لنا تمر حالات الموت هذه كما لو لم تكن شيئا ذا بال. يجب أن نسأل أنفسنا:هل يخدم هذا مصلحتنا القومية ؟
الذكريات تلاحقني
غادرت بيت حانون وتوجهت الى مكتب بي بي سي في القدس لاعداد تقرير تلفزيوني.
لدينا في المكتب زملاء اسرائيليون وفلسطينيون.
في احدى فترات الاستراحة غادرت غرفة الأخبار لصنع فنجان من القهوة فرأيت فتاة صغيرة، أظنها في الخامسة من العمر، شعرها معقوص الى الخلف، وكانت تقف مع والدها الذي يعمل في المكتب.
هي فتاة اسرائيلية، ولكني صعقت لرؤيتها.
انها تشبه كثيرا بعض الفتيات الللواتي رأيتهن في غزة ذلك اليوم.
كما لو أنها فجأت بعثت من الموت وتجسدت أمامي.
أغلقت غرفة التحرير حتى لا ترى المشاهد الدموية.
على الشرفة في الخارج كان حذائي قد جف.
الماء غسل الدماء، ولكن ما الذي سيمحو ما شهدت في بيت حانون من الذاكرة؟

البي بي سي

أضف تعليق