طفح الكيل وبلغ السيل الزبى ولم تكن هناك قدرة على التحمل، فطالما اقنع الناس أنفسهم بتحمل الوضع حتى لا يسوء أكثر، وكانوا يطالبون بالقليل القابل للتنفيذ، الا هذا القليل لم يتحقق، ورغم ان بطون الناس بدأت تفرغ يوما بعد يوم، لكن كرامتهم لم تنحني الا لله.
لقد بلغ الشباب الثائرين ـ الذين لم تتجاوز أعمارهم العقدين أثناء الاحتلال الغاشم ـ سن الرشد وصاروا اليوم رجالا وبدأوا يبحثون عن حياة سعيدة لكنهم لم يفلحوا، ولم ير هذا الجيل سوى آفة الفساد وتفاقم البطالة والفقر وضيق الحال، في الوقت الذي تعادل فيه الميزانية السنوية للعراق ميزانيات عدد من الدول المحيطة به مجتمعة، لكن الشباب ليس لهم نصيب من هذه الميزانية.
هذه المرة، يتظاهر الشباب الغاضبون في ثورة سلمية ضد الظلم والفساد والوعود الكاذبة، وضد السُرّاق ومصاصي دماء العراقيين، والمشاريع الطائفية والعملية السياسية والدستور الحالي، وضد كل الاحزاب التي لم تجلب للعراق سوى الخراب والدمار، وضد النظام الايراني وميليشياته، يتظاهرون ضد كل من جعل العراق يحتل ذيل قائمة دول العالم.
لقد مضى عام على حكومة (عادل عبد المهدي)، في الوقت الذي تتفاقم فيه البطالة والفساد وسوء الخدمات، مرّ عام من عمر الحكومة الحالية وما زالت أحلام العراقيين في قائمة الانتظار، والشباب ولا سيما الخريجين يعيشون على أمل توفير فرص التعيين ولكن دون جدوى، بسبب السياسة الفاشلة التي ينتهجها المسؤولون في هذه الحكومة التي تُعد الحديقة الخلفية لإيران، وباتت سبب كل الازمات التي يعاني منها العراقيون المظلومون منذ ابتلائهم بالاحتلال السافر وحكوماته المتعاقبة.
هذه التظاهرات الغاضبة والمزلزلة وغير المسبوقة، لم تنطلق بدعوة من حزب أو زعيم سياسي كما جرت العادة في العراق، بل جمعت الغاضبين المحتجين على سوء الخدمات العامة وتفاقم البطالة واستشراء آفة الفساد، واصبح ما يميزها انها غير مسيّسة ولا حزبية، وان الشعارات التي رفعها المشاركون في التظاهرات منذ يوم الثلاثاء الماضي تؤكد الإصرار على استمرار الحراك الشعبي والمطالبة بالحقوق المشروعة، فكان وسم (نازل_اخذ_حقي)، أحد شعارات الشباب الثائرون الذين حملوا ارواحهم على أكفهم، وواجهوا الموت بالرصاص الحي الذي أطلقته القوات الحكومية بصدور عارية.
لقد اتسمت التظاهرات التي انطلقت في الأول من الشهر الجاري بزخم كبير وجرأة فائقة أذهلت المسؤولين في الحكومة وقضّت مضاجع المشاركين في العملية السياسية الحالية برمتها، لا سيما بعد ارتفاع سقف المطالب التي دعت الى اسقاط النظام والدستور الحالي، ولم تعد المطالب بتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل تقنع الشباب الذين خرجوا في التظاهرات الحاشدة التي بدأت من العاصمة بغداد وامتدت الى عدد من المحافظات الجنوبية بينها ذي قار وواسط والنجف والقادسية وميسان والمثنى والبصرة.
جموع الشباب الغاضبين والمُصرين على نيل حقوقهم المشروعة، زلزلت عرش الحكومة الحالية وسببت ارباك المسؤولين فيها على اعلى المستويات، بل هددت كيان العملية السياسية بأكملها، وهنا يشير (فراس إلياس) الباحث المتخصص في شؤون الأمن القومي والدراسات الإيرانية الى ان حالة التعبئة الجماهيرية التي تمخّضت عنها هذه المظاهرات، شكلت ضربة كبيرة للأحزاب والكتل السياسية التي كانت حتى وقت قريب تتفاخر بسيطرتها على الشارع العراقي.
واكد (إلياس) ان العراق يشهد اليوم منعطفا تاريخيا كبيرا، وذلك لما قد ينتج عن هذه المظاهرات من استحقاقات سياسية واجتماعية، أهمها انها أعطت إيران صورة واضحة لحجمها السلبي في العراق، اذ ان المتظاهرين لم يخرجوا من اجل المطالبة بتحسين واقع الخدمات والظروف الاقتصادية والاجتماعية فقط، وإنما خرجوا بهدف استعادة وطنهم المسلوب، وسيادة بلدهم المرتهنة من قبل النظام الايراني وعملائه وأذنابه، وهو ما قد يجعل إيران أمام مشهد إقليمي معقد جدا، في حال نجاح هذه المظاهرات في تحقيق الأهداف التي خرجت من أجلها.
من جهتها، وصفت صحيفة (لوموند) الفرنسية المظاهرات الشعبية التي يشهدها العراق، بأنها انتفاضة ضد سياسات حكومة بغداد التي ضحّت بمصالح ابناء هذا البلد خدمة لإيران .. مشيرة الى ان هذه المظاهرات الرافضة للتدخل الإيراني بشؤون العراق لا تحمل أي أجندات أيديولوجية او سياسية، وهو ما جعل القوات الحكومية تستخدم سياسة العنف ضد المتظاهرين الذين تصدت لهم بالرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع وخراطيم الماء الحار، ما أسفر عن مقتل أكثر من (100) منهم واصابة ما يربو على ستة آلاف آخرين بجروح بعضها بليغة، في الوقت الذي تحاول فيه حكومة المنطقة الخضراء تزييف الحقائق من خلال اتهام المتظاهرين بشتى انوع التهم الكائبة، بهدف تشويه صورة التظاهرات السلمية والحضارية، كما أقدت السلطات الحكومية على قطع كافة الاتصالات بهدف عزل العراق عن محيطه الخرجي ظنا منها انها تستطيع التأثير على عزيمة الشباب واصرارهم على مواصلة التظاهرات، كما مارست اسلوب التعتيم على الجرائم البشعة والانتهاكات الصارخة التي ارتكبتها الاجهزة الامنية الحكومية ضد المتظاهرين العُزّل الذين لا يحملون سوى علم العراق.
ومما تقدم يتأكد للقاصي والداني ان أهداف الطائفية المقيتة التي حاول سياسيو الصدفة زرعها في المجتمع العراقي، قد تبخرت مع أول هتاف اطلقه المشاركون في هذه الثورة السلمية التي وحّدت جميع العراقيين على قلب رجل واحد، ولم يعُد باستطاعة أي مسؤول في الحكومة أو العملية السياسية أن يثني عزيمة الشباب الثائرين الذين يطالبون بحقوقهم المشروعة، والاهم من ذلك ان هذه التظاهرات فضحت سياسة ايران واذرعها وميليشياتها الطائفية، وأصبحت هتافات الشباب وأهدافهم في ثورة تشرين تحاكي ما حققته ثورة العشرين الخالدة.
الهيئة نت
س
