الى بيت حانون، أتي الفجر بلا سماء بلا الوان. لم يختلط فيه الخيط الابيض بالاسود، تأجل الشروق، صمت الليل لم يكسره غير بكاء رضيعة ارادت حليب امها.
نامت حالما شعرت بدفء صدر الام ورائحتها الاليفة. تنهدت الأم من اعماق قلبها فرحا بملمس شعر وليدتها البكر الاسود الناعم، ضمتها الي صدرها.
أتي الفجر ومعه قذائف الموت الامريكو ـ صهيونية. غطي النائمون، باغتهم قبل تكبير المؤذن، قبل النهوض لاداء فريضة الصلاة. اراد القلب ان يناديهم: انهضوا قبل الفجر قبل الموت قبل الخراب. لم يستطع، سقطت القذائف المعبأة بالموت علي بيت حانون. تهدمت البيوت علي من فيها. كل شيء صار شاهدا علي المجزرة، علي الجريمة البشعة. البيوت الخراب، الهلاك، التدمير، علي الحضور المباغت للموت، الاشلاء المتناثرة، برك الدم. أحذية الاطفال وملابسهم، سقوف البيوت المرمية علي الارض. هكذا زارت لقيطة الديمقراطية الامريكية بيت حانون، أي دمار يغذون؟ هل هكذا سيكسبون العقول والقلوب؟ يالبذاءة الديمقراطية ووحشيتها!
اذا كان للموت وجه وللخراب والتدمير وجه وللجريمة النكراء وجه، فكيف سيكون؟
انه الديمقراطية الامريكية ولقيطتها اسرائيل. ولن أضع مفردة الديمقراطية بين قوسين، لان امريكا تروج لسياستها العدوانية التوسعية في العالم باسم الديمقراطية. باسم الديمقراطية تدعم امريكا الكيان الصهيوني وتمده بالمال والسلاح والحماية الاعلامية والسياسية والدولية، بافعال الديمقرطية الوحيدة في الشرق الاوسط أي الكيان الصهيوني، قتل الاطفال والنساء في بيت حانون.
قبلها بأيام خرجت النساء في مظاهرة، تظاهرن بلا سلاح بلا تكنولوجيا متطورة بلا مدافع بلا طائرات مقاتلة بلا مصفحات تحميهن. خرجن لايرتدين غير اجسادهن وارواحهن وارادتهن القوية. خرجن في مظاهرة سلمية حسب المواصفات الديمقراطية للاحتجاج علي سياسة الموت البشعة تتربص بحياة ابنائهن وازواجهن وتحرمهن حقهن بالحياة، خاف الغزاة المحتمون بالدبابات والمصفحات، خاف حاملو الرشاشات فأطلقوا علي النساء العزل النار، خشوا علي انفسهم من ارادة نساء يرغبن بالدفاع عن الحياة، فأطلقوا النار متوهمين بانهم سيقتلون الارادة الانسانية والحياة.
قبل ايام شيع اهالي مدينة هيت بمحافظة الانبار سبعة من ابنائها استشهدوا علي ايدي القوات الامريكية في وقت لم تشهد فيها المدينة اي مواجهات مسلحة او تفجيرات تستهدف قوات الاحتلال، اقتحم الغزاة بيتين من بيوت المدينة في منطقة القادسية وقاموا بجمع ساكنيها وطعنهم بالحراب ما ادي الي استشهاد احدهم واصابة الباقين بجروح كما طعنت المواطن سبتي جمعة عطيوي عندما كان نائما في بيت والده في حي القادسية ايضا، ثم هاجم الغزاة خمسة مواطنين اخرين طعنا بالحراب ونحرا بالسكاكين فيما بلغ عدد الجرحي خمسة وهم في حالة خطرة.
قبلها بما يزيد علي الثلاثة اعوام، في مدينة الفلوجة، غرب العراق، تظاهرت مجموعة من النساء والاطفال، حسب مواصفات الديمقراطية الامريكية، مطالبين الغزاة الامريكيين بمغادرة مدرستهم التي حولوها الي نقطة مراقبة، ليعودوا للدراسة. تظاهروا بلا سلاح غير اجسادهم وارواحهم وارادتهم القوية. فاطلق الغزاة المدججين باحدث الاسلحة النار علي المتظاهرين العزل. فسقط بنيران العدو الامريكي 12 شهيدا من الاطفال والنساء.
ننظر الي تشييع الشهداء، الي الاكفان، الي التوابيت، الي الدماء تغطي الارض، الي الخراب، الي التفجيرات والسيارت المحترقة ومحاولة الناس سحب البقايا الانسانية، فنتساءل والقلب قد تحول الي صخرة تعيق التنفس أين يحدث هذا في فلسطين، العراق أم لعلها قانا من جديد؟
ونبحث في لحظات الالم والاسي والكمد عن الغضب ليبعد عنا اليأس لنتمكن من الصراخ: عليكم وعلي ديمقراطيتكم لعنة الامهات الي ابد الآبدين. ستلاحقكم صرخات الرضع والاجنة في بطون امهاتهم حتي الموت، ستبقي اللعنة لصيقة بكم لصق الجنين بمشيمة امه. سيخرج الوليد من رحم امه وهو يحمل في خلاياه روح مقاومتكم.
الطريق واحد، النضال من اجل الحياة الكريمة الأبية واحد، انه الحق الانساني الاول، من بيت حانون وجنين وغزة الي كل مدن العراق المقاومة، الي بغداد القلب. اشجار الزيتون ستنمو من جديد، اشجار النخيل ستعود سامقة، سنعيد للاشجار خضرتها وللقلب فرحته وللانسان عزة نفسه، البيوت ستبني، الخراب سينتهي ما ان يرحل الغزاة.
سلام علي أهلنا في فلسطين والعراق. سلام علي الاطفال والامهات والرجال. سلام علي الوليدة بشعرها الاسود الناعم وقد غطاه التراب، علي امرأة مذهولة تريد ان تضم رضيعتها الي صدرها، تقول لقد حان وقت رضاعتها، لا اريدها ان تجوع، فلا تجد غير الرفات، سلام علي المرأة الفلسطينية والعراقية وهي تواجه المحتل في كل دقيقة من نهارها وليلها، تواجه الخراب، الفقر، الحصار، الموت، بالكلمات المتحشرجة من صدر يئز بالغضب مثل جرح نازف، متلفعة بالاسود مقسمة الا تنزع حزنها مادام العدو موجودا علـي ارضها.
ما الذي سيفعله المحتل الان؟ لا شيء. لا شيء سيعوض خسارة الشهداء. قرأت في احدي الصحف بان وزارة دفاع الكيان الصهيوني ( أمرت الجيش بإجراء تحقيق بسرعة حول الحدث الذي وقع في غزة وتقديم النتائج في اسرع وقت ممكن). مما يعني علي ارض الواقع ان اقصي ماسيقومون به هو في حال اجراء التحقيق فعلا هو اصدار حكم لادانة الضحايا لصالح القتلة. ويكفينا ان ننظر الي الماضي القريب في فلسطين والعراق لندرك جدوي تحقيقات المحتلين. هل ادين الكيان الصهيوني لارتكابه مجزرة جنين؟ هل عوقب احد المجرمين؟ وفي العراق المحتل، ماذا حدث لنتائج التحقيقات في مجازر حديثة والاسحاقي واغتصاب الصبية عبير وحرقها وقتلها وعائلتها التي أقسم المالكي، وهو رجل حزب الدعوة الذي استخدم الاسلام الطائفي عباءة ليشرعن صفقته مع الاحتلال، بانه سيكون تحقيقا مستقلا؟ ماذا حدث لتحقيقات التعذيب الوحشي في ابو غريب؟ وسجون وزارة الداخلية التي أقسم الجعفري بانها ستكون عادلة؟ ما الذي سيحدث لو طالبنا بالتحقيق في جرائم القتل اليومي التي تتم تحت انظار قوات الاحتلال وعملائها؟ ماذا عن العصابات والميليشيات المدعومة من قبل الحكومة العميلة التي باتت هوايتها المفضلة تعذيب المواطنين ورمي الجثث ( مجهولة الهوية) في الشوارع؟
منذ شهر آذار (مارس) 2003 وحتي الان بلغ عدد شهداء تطبيق الديمقراطية الامريكية في العراق ما يزيد علي 650 ألف شهيد. فمتي يكف الديمقراطيون وعملائهم من محاولة فرض ايديولوجيتهم علي الشعوب بالقوة؟ ألم يتعلموا من فشل الانظمة الايديولوجية الذريع، كالنازية، والفاشية، والشيوعية، والخمينية،
ان امريكا وايديولوجيتها الديمقراطية هي التي تمد الصهيونية بالحياة. توفر لها الغطاء القانوني والحماية الدولية. ان امريكا هي التي تروج لديمقراطية الكيان الصهيوني وهي المسؤولة عن ارتكاب مئات الجرائم والمجازر وقتل طموحات الشعوب وآمالهم واحلامهم بمستقبل افضل في عشرات البلدان منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتي اليوم. ونحن، ابناء وبنات الشعوب المحتلة، مطالبون بالقبول بالامر الواقع، مطالبون بالقبول بهدم المساجد والمدارس، جرف البيوت والاشجار، مداهمة البيوت، الاعتقالات والتعذيب والاغتصاب. قتل الانسان، الاهانة ومسح التاريخ والغاء الهوية الوطنية. بالعبودية، وكل الجرائم الديمقراطية الاخري عسي ولعل ان ترضي علينا امريكا الديمقراطية.. ولن اضع مفردة الديمقراطية بين قوسين للدلالة علي ان ما يجري لنا الان هو ليس الديمقراطية الحقيقية بل سوء تطبيق للديمقراطية من قبل ادارة بوش والمحافظين الجدد فحسب، وللدلالة بان املنا كبير، بتطبيق الديمقراطية الحقيقية. ان البحث عن الديمقرطية الحقيقية محض هراء.
الديمقراطية هي التي نعيش جراء تطبيقها الان. وعلينا ان نقر ونعترف بان الديمقراطية لاتزيد عن كونها ايديولوجية محددة وصلت الان، برئاسة النظام الامريكي، الي قمة عريها. لماذا؟ لانه اذا كانت الجرائم اليومية المهولة التي تجاوزت حدود التفكير العقلي وغير العقلي المرتكبة في العراق وفلسطين ومست لفترة لبنان ايضا، هي جراء اخطاء ادارة بوش في تطبيقها للديمقراطية، فماذا عن مشاركة بريطانيا في هذه الجرائم، وهي أم الديمقراطية؟ وماذا عن المانيا وفرنسا واستراليا واليابان وووووو؟ اليست هذه الدول جميعا ذات نظم تصف نفسها بانها ديمقراطية تعتمد علي الانتخاب والتصويت وحرية الصحافة والمعلومات؟ لماذا لاتدافع عن ديمقراطيتها اذن؟ اين هي الديمقراطية كمسؤولية اخلاقية وانسانية هادفة الي تحقيق العدالة والنزاهة وحقوق الانسان؟ اين هي الديمقراطية حين نحرم حتي من دفن موتانا وهم شهود علي نحرنا بل وجنودهم ينحرون أهلنا؟ أم ان هناك ديمقراطيتين وليس واحدة، الاولي للعالم الاول وانسانه من الدرجة الاولي والثانية هي ديمقراطية الانسان من الدرجة الثانية، المخصصة للفرض عنوة علينا اما بقوة السلاح او بترويج فكرة القبول بالامر الواقع؟
القدس العربي
الديمقراطية الامريكية في قمة عريها -هيفاء زنكنة
