مهما كانت نتائج الانتخابات الأمريكية فإنها لن تنقذ إدارة جورج بوش من المأزق العراقي الذي تحول في رأي العديد من صناع الرأي والقرار الأمريكيين إلى واحدة من أكبر كوارث السياسة الخارجية التي واجهت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
هذه الكارثة تحولت إلى القضية الرئيسية في الانتخابات الأمريكية وحجم الإخفاق فيها ظهرت آثاره على دور بوش في الحملة الانتخابية وعلى علاقاته بالقوى التي صنعت نجاحاته الانتخابية وأسهمت في إيصاله إلى البيت الأبيض وصوغ سياساته وشعاراته التي أمنت له المرور إلى ولايته الرئاسية الثانية.
فخلال الحملة الانتخابية أصبح من الشائع أن يوجه بعض المرشحين الجمهوريين، مثل الشيخ الجمهوري البارز مايك دي واين، وكاي بيلي هاتشنسون، المرشحة لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس التي جاء منها بوش انتقادات علنية إلى الرئيس الأمريكية وإلى إعلان الحرب على العراق. علاوة على ذلك فإن العديدين ممن لم يوجهوا انتقادات علنية وحادة إلى بوش بسبب حرب العراق توسلوا إليه في السر كما جاء في صحيفة “الصانداي تايمز” البريطانية (29/10/2006) أن يبتعد عنهم وألا يشارك في حملاتهم الانتخابية وألا يقدم إليهم أية مساعدة أو دعم مكشوف لئلا يؤثر ذلك سلبا في حظهم الانتخابي.
هذه الانتقادات والتحفظات ليست غريبة عن الأحزاب والتيارات الفكرية والسياسية الأمريكية. ففي الحزب الجمهوري وبين المحافظين الأمريكيين من لن يتوقف عن نقد جورج بوش منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها البيت الأبيض. ولكن الغريب أن ينضم المحافظون الجدد الأمريكيون إلى هؤلاء الناقدين وبحماس ملفت للأنظار، وبسرعة تحير الأذهان.
قد لا يكون غريباً ومثيراً للانتباه أن ينتقد المحافظون الجدد بعض رموز إدارة بوش وركائزها مثل كوندوليزا رايس. فوزيرة الخارجية الأمريكية تنتمي إلى تيار المحافظين الواقعيين. إنها تماثل المحافظين الجدد في صقوريتهم ولكنها ليست من المحافظين الجدد، ولذلك لم يكن غريباً أن يخصوها، هي وأمثالها في إدارة بوش، بالنقد. في هذا السياق وجه مايكل روبن في مجلة “ذي ويكلي ستاندرد” (26/07/2006) المعبرة عن المحافظين الجدد انتقادات لاذعة إلى رايس بسبب سياستها الشرق أوسطية، معتبراً أن الدبلوماسية عندها هي هدف في حد ذاته وليست وسيلة لخدمة المصالح الأمريكية أو الدولية. وأعطى روبن مثلا على ذلك في قبولها الاجتماع إلى الرئيس اللبناني إميل لحود خلال زيارتها إلى لبنان في مطلع هذا العام.
مقابل تلك الانتقادات التي كانت توجه إلى بعض رموز إدارة بوش، كان المحافظون الجدد يمطرون بوش بالمدائح، ويسرفون في ترويج سياسته الخارجية والشرق أوسطية، وينوهون ببعض القواعد التي اعتمدها بوش في بلورة هذه السياسة. ولم يكن في ذلك غرابة أيضاً طالما أنهم لعبوا دورا رئيسيا في صوغ هذه السياسات وإقحامها في صلب السياسة الأمريكية الخارجية مثل اعتماد النهج الأحادي في التصدي للأخطار التي تواجه الولايات المتحدة واللجوء إلى الحروب الاستباقية لمواجهة تلك الأخطار، وإعطاء الأولوية لشن الحرب على العراق ولتغيير الحكم فيه على الأهداف الأخرى للسياسة الأمريكية. ولكن ما يجده البعض غريباً بل ومثيراً للسخرية أن ينقلب المحافظون الجدد انقلاباً كاملاً على جورج بوش، وأن يتحول إلى هدف رئيسي لانتقاداتهم وحملاتهم، كما تقول مجلة “فانيتي فير” (نوفمبر/ تشرين الثاني 2006) وأن يسعوا إلى التنصل من السياسات التي بذلوا كل جهد وعملوا علنا وسرا من أجل جر إدارة بوش إلى تبنيها، وشنوا الحملات العنيفة ضد كل من تجرأ على معارضتها أو نقدها.
هكذا تحول جورج بوش، من رئيس متميز يستحق كل التأييد وإلى أمل كبير في نظر المحافظين الجدد، إلى شخص لا يفقه ما يقول كما وصفه دافيد فرام كاتب خطاباته السابق. وتحول بوش من رئيس يستحق كل الدعم، في رأي ريتشارد بيرل، أحد المحافظين الجدد البارزين، إلى سياسي يفتقر إلى الكفاءة الذهنية لحكم البلاد، وإلى مسؤول عن العديد من الإخفاقات التي أصابت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وتصل الحملة في هذه السياسة إلى حد تحميل بوش مسؤولية حرب العراق. وهكذا، وببساطة كلية يقول بيرل إنه لو كان قادراً على التنبؤ بنتيجة الحرب على العراق لعارضها، ولطالب باتباع استراتيجيات أخرى في تدبر الشأن العراقي.
وحتى لا يظن أحد أن بيرل أو أن المحافظين الجدد، الذين تمتعوا بحظوة قل أن بلغها عقائديون في البيت الأبيض، كانوا قادرين على توجيه دفة سياسة الولايات الشرق أوسطية. قال بيرل لمندوب “فانيتي فير” لقد سئمت الوصف الذي يطلق علي كمهندس للحرب على العراق، فأنا لم أكن مسؤولاً ولا كان المحافظون الجدد مسؤولين عنها ولا كان لنا صوت مسموع لا في الحرب ولا فيما جرى بعدها.
الذين يعرفون عن كثب كيفية صنع القرار في الإدارات الأمريكية وفي إدارة جورج بوش، يعلمون أن ريتشارد بيرل يرتكب معصية الكذب الصريح عندما يقول كلاماً من هذا النوع. زبينجيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق يقول في مقابلة مع مجلة “هارفارد انترناشيونال ريفيو” (صيف 2006) إن الذين قدموا المعلومات حول العراق والذين أقنعوا أصحاب السلطة في واشنطن باتخاذ قرار الحرب هم من المحافظين الجدد.
إن تنصل المحافظين الجدد من مسؤوليتهم في الحرب ومن جورج بوش سوف يسمح لهم بالبقاء في ساحة العمل السياسي الأمريكي وفي ممارسة تأثير في الرأي العام في الولايات المتحدة وخارجها. ولكن نجاحهم في تحقيق هذه الغاية يشكل خطراً، بما يحملونه من أفكار ونظريات عدوانية، على المجتمع الدولي وعلى العرب، وفي نهاية المطاف على الولايات المتحدة نفسها. المحافظون الجدد، كما وصفهم بريجنسكي، يعملون بوحي معتقدات فتاكة، دموية ومتطرفة. إذا نجح أصحاب هذه المعتقدات في التنصل من دورهم في المأساة العراقية، فإنهم سوف يزجون العالم في كوارث جديدة من هذا النوع. إن دحر هذه المعتقدات وأصحابها يجعل العالم أكثر أماناً واستقراراً.
الخليج الاماراتية
المحافظون الجدد يقفزون من سفينة بوش ... د. رغيد الصلح
