الهيئة نت | أكّدت هيئة علماء المسلمين في العراق؛ أن موضوع الأوقاف وما تعرضت له من نهب وإهمال كبير، لم ينقطع منذ لحظة الاحتلال الأولى التي شهدت محاولات محمومة للسيطرة على مؤسسة الوقف ومواردها، من بعض الجهات المتعاونة مع الاحتلال.
وأوضحت الهيئة في بيان أصدرته الأمانة العامة يوم الجمعة الثالث عشر من شهر أيلول/سبتمبر 2019؛ أن هيئة علماء المسلمين كان لها موقف واضح حيث تصدت لهذه المحاولات وعملت مع أطراف عدة في وقتها على وضع حدود واضحة للمؤسسات المعنية بالأوقاف بعد إلغاء وزارة الأوقاف السابقة، وتعيين الجهة المعنية بها، ومن ثم وضع يد (ديوان الوقف السني) على هذه الممتلكات، بواسطة لجانها التي شكلتها لاسترداد المساجد المغتصبة، فضلًا عن جهود الهيئة في الوقوف بحزم أمام محاولات الضغط على (ديوان الوقف) في وقتها، ومن ذلك إقامتها تجمعًا كبيرًا في جامع (أبي حنيفة) ببغداد في الربع الأخير من عام (2003م)؛ لتعزيز جهود إدارة الوقف ودعمها بوجه الهجمات التي كانت تتعرض لها من أطراف عدة.
وقال البيان إن الأمور اختلفت في عهد إدارات الوقف اللاحقة التي تسببت بواقع بائس لا يمكن تصوره أو القبول به؛ حيث يشهد (ديوان الوقف) ترسيخًا للسياسات غير الصحيحة في إدارته، والتصرفات غير المنضبطة في تسييره، والإهمال شبه المتعمد في متابعة أموره، فضلًا عن التصرف غير المنضبط بأمواله، بعيدًا عن الحجج الشرعية للواقفين والسياقات القانونية والإدارية المرعية في هذا المجال؛ والتضييع المستمر لحقوق الجهات المكلف شرعًا وقانونًا برعايتها، من مساجد وعاملين فيها وأوقاف ومؤسسات، إلى جانب دخوله مجالات أخرى لا علاقة لها بطبيعة نشاطه والمهام الموكلة إليه، كالانحياز السياسي والصراع الحزبي والتنافسي المناطقي والعلاقات الخارجية المريبة.
وفيما يتعلق بما أثير مؤخرًا عن (موضوع الأوقاف) أكّدت هيئة علماء المسلمين أن لديها معلومات موثقة من مصادر مطلعة؛ تفيد بأن (ديوان الوقف السني) يقوم بتفريط كبير بمصالح الوقف ووقفياته والمساجد المسلوبة منه سلفًا، تطوعًا أو بتأثير عوامل ضغط حكومية أو ميليشياوية أو بفعل انحياز القضاء لغيره، وهو ما يهدد بذهاب كثيرٍ من أموال الوقف، وذلك عن طريق التنازل عن كثير من الأوقاف العائدة له، لصالح (ديوان الوقف الشيعي)؛ حيث وُضعت (خارطة طريق) لتنفيذ الاستيلاء على هذه الأوقاف بوسائل مشبوهة، وتم تأطيرها بصيغ قانونية؛ بحيث تظهر وكأنها تصدر عن الجهات المعنية بملف الأوقاف في العراق لا على أنها رغبة حكومية بلباس طائفي.
وفي هذا الشأن؛ انتهت اللجنة المكلفة في الهيئة بمتابعة هذا الموضوع ورصد آثاره؛ إلى جملة من الأمور، منها: خضوع (ديوان الوقف) للضغوط الحكومية وطلب رئيس الوزراء الحالي بحسم ملف المساجد والأوقاف، والتنازل عن كثير منها بطريقة أو أخرى، وقيام (ديوان الوقف الشيعي) برفع دعاوى تنازع ملكية على (ديوان الوقف السني)، وعدم جدية اللجنة القانونية في (ديوان الوقف السني) في متابعة هذه القضايا، وتراخيها في الدفاع عنها، وأحيانًا إهمالها وعدم تكليف محامين بمتابعتها، أو عدم حضور محامي الوقف أمام المحاكم في عدد من القضايا التي حسمت للطرف الآخر بسبب التقصير والإهمال المتعمد.
ومن الأمور التي رصدتها لجنة الهيئة؛ تأجيل بعض الملفات الحساسة، وحسمها خارج إطار القضاء، وعبر تفاهمات وصفقات بعيدة عن الأضواء؛ منها ما تم رصده من لقاءات لمسؤولي عدد من دوائر (الوقف السني) مع (ديوان الوقف الشيعي) خلال الأشهر الماضية، كان آخرها في منطقة (الكرادة) ببغداد، في شهر تموز الماضي.
ووثقت اللجنة عدم قدرة الوقف على إشغال المساجد العائدة إليه وإدارتها في بعض المناطق الحساسة وتركها مهملة، وبما يقوي جانب الطرف الآخر وسيطرته عليها بذريعة عائديتها إليه، علاوة على عدم قدرة دائرة الوقف على استرداد المساجد التي حسم أمر عاديتها للوقف السني، وسط شواهد تدل على استخدام بعض هذه المساجد لغايات أخرى، ومن ضمنها أغراض التدريب للميليشيات.
وفي السياق نفسه؛ سجّلت اللجنة المكلفة في هيئة علماء المسلمين مواقف تتعلق بما تسرب من اتفاقات بين إدارتي الوقفين (الشيعي) و(السني) في وسائل الإعلام؛ من بينها: عدم تطرق الاتفاق مطلقًا إلى الأوقاف الثابت عائديتها للوقف السني، التي استولت عليها الميليشيات والأحزاب الطائفية و(ديوان الوقف الشيعي) في السنوات الماضية من (مساجد وأراضٍ وعقارات) في بغداد ومحافظات الجنوب، فضلًا عن مدينتي (سامراء وبلد)، التي تعمد واضعو الاتفاق إغفالها، ونص الاتفاق على جعل الأوقاف المسجلة باسم وزارة الأوقاف السابقة مناصفة بين الوقفين (السني) و(الشيعي)، بما يتناقض مع واقع الأوقاف وعائدية الغالبية العظمى منها للوقف السني كما هو معلوم ومعروف، فضلًا عن تعارضه مع الضوابط العامة في التعامل مع هذا النوع من الملفات، ولاسيما حينما يتم تناولها من منظور المحاصصة والتقاسم التي يعلم العراقيون ويدركون جيدًا أنها لم تكن يومًا لتراعي مصالحهم ولن تحقق نفعًا أو مكسبًا لهم.
وسلطت بيان الهيئة على جرأة ديواني الوقف على إدخال الطائفية بين الأموات، من خلال مناقشة ملف المقابر، التي ينص الاتفاق بشأنها على أن "إدارة المقابر المندرسة تكون بيد الوقف بحسب مذهب أكثرية المدفونين فيها..."، في واحدة من أبشع صور الطائفية السياسية المقيتة التي يُراد من ورائها جني مكاسب ومصالح شخصية على حساب القيم والمبادئ والأخلاق.
وبشأن ما تم الاتفاق عليه بين الوقفين من اعتماد إثبات عائدية الأوقاف بمخاطبة جهات حكومية أخرى يفترض أن تزودها بوثائق وسندات في هذا الشأن، أكّدت الهيئة ما هو معلوم أساسًا من حجم الفساد المستشري في مؤسسات الدولة في العراق، ولاسيما في دوائر (التسجيل العقاري)، وعمليات التزوير التي تجري على قدم وساق فيها، لتحويل الأوقاف (السنية) إلى (شيعية) في مناطق مخصوصة يجري فيها العمل منذ سنوات بهدف تغيير تركيبتها السكّانية، وضربت لذلك مثالُا بما يجري حاليًا في محافظة نينوى من حراك الميليشيات للاستحواذ على مبان وأراض وعقارات في المحافظة وبالاتفاقيات السرية التي تجري مع دائرة أوقاف نينوى في هذا الشأن.
وتناول البيان أيضًا موضوع إقرار عائدية الوقف في نص الاتفاق باعتماد مذهب الواقف أو مذهب أكثرية المكان الذي يقع الوقف فيه، بدلًا عن حجة الوقف المضبوطة؛ وشددت الهيئة إزاء ذلك بأن هذا الاتفاق يعزز منظومة العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية، التي جعلها الاحتلالان الأمريكي والإيراني ركنًا أساسيًا في بناء مشروعهما في العراق.
واختتمت الهيئة بيانها بتحميل الحكومة الحالية وديواني الوقفين (السني) و(الشيعي) مسؤولية الإجراءات والاتفاقات الجائرة، التي يراد منها سلب الأوقاف الإسلامية في العراق لأهداف طائفية، ومكاسب شخصية على حساب الشعب العراقي الذي عانى من التمزق الاجتماعي والتشرذم الطائفي بسبب العملية السياسية وتبعاتها.. داعية الجميع إلى فهم الواقع الشاذ الذي يراد فرضه على الشعب العراقي، والتحلي بالمسؤولية لقول الحق بعيدًا عن الأعذار الواهية التي أثبتت التجارب فشلها وعدم واقعيتها، وإلى عدم تصديق دعاوى المحافظة على الأوقاف الإسلامية في العراق التي عدتها بعض الجهات أحد نجاحات مشاركتها في العملية السياسية الفاشلة.
الهيئة نت
ج
