هيئة علماء المسلمين في العراق

يباركون مجزرة بيت حانون بالصمت الشامل ... فيصل جلول
يباركون مجزرة بيت حانون بالصمت الشامل ... فيصل جلول 
يباركون مجزرة بيت حانون بالصمت الشامل ... فيصل جلول

يباركون مجزرة بيت حانون بالصمت الشامل ... فيصل جلول

في كتاب “الارتداد الكبير. بيروت بغداد” الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي يروي المؤلف ريشار لا بيفيير على لسان دوف فايسغلاس المستشار السابق لأرييل شارون أن “إسرائيل” تعتمد منذ سقوط بغداد استراتيجية فلسطينية لا تقيم اعتبارا لاتفاقات اوسلو التي رفضها شارون بقوة، وبالتالي لا تقيم اعتبارا للتفاوض مع السلطة الفلسطينية بغض النظر عمن يترأسها وعليه يقول المستشار “الاسرائيلي”: “... بالنسبة لنا لم تنته حرب التحرير عام 1948 ما دامت حدودنا الشرعية التي نريدها لم تحظ باعتراف دولي”. ويضيف قائلا: “... لقد أدركنا في خريف العام 2003 أن كل شيء صار مجمدا. لقد بدا أن هناك تفككاً دولياً في الموقف منا يقابله تفكك داخلي عندنا. بدا أن كل شيء ينهار (مسيرة التفاوض). كان اقتصادنا في وضعية صعبة للغاية. في هذا الوقت صدرت وثيقة جنيف التي لاقت تأييدا عارما وعلى أثرها انتشرت رسائل الطيارين والضباط الذين يرفضون الخدمة في الأراضي المحتلة.

لقد اختار شارون هذه اللحظة للحديث عن الانسحاب من غزة التي لم يعتبرها يوما مصلحة استراتيجية “إسرائيلية”. حدث ذلك من أجل إنقاذ المستوطنات في الضفة الغربية. والأهم من ذلك أن الانسحاب من غزة يضع حدا للتفاوض على اتفاق مع الفلسطينيين، ما كنا نريده هو تجميد مسيرة التفاوض، ومع وقفها يمكن استبعاد نشوء دولة فلسطينية والبحث في ملف اللاجئين”.

في ضوء هذه الاستراتيجية “الإسرائيلية” اندلعت حرب لبنان الصيف الماضي وفي ضوئها ترتكب “إسرائيل” في هذه اللحظات مجازر جديدة وبشعة في غزة.

ومن سوء الحظ أن كلام المستشار فايسغلاس لا تكذبه الأيام الجارية، فآلة الحرب “الإسرائيلية” تقتل المقاومين وتغتال النساء والأطفال والعجزة، وتجرف المزروعات وتستهدف سيارات الإسعاف وسط صمت دولي أمريكي وأوروبي، وصمت عربي شبيه بالصمت الذي ساد الأيام الأولى من الحرب على لبنان الصيف الماضي. لا صوت من الرباعية، لا صوت من الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة لم تسمع ولم تر شيئا حتى الآن، إذاً يمكن ل “إسرائيل” أن تقتل من تشاء، وبالقدر الذي تشاء وخلال الوقت الذي تشاء ويمكنها أن تفعل ذلك أمام عدسات المصورين، وخلال البث المباشر لنشرات الأخبار. فقد مضى الوقت الذي كان فيه قتل محمد الدرة يحرك ضمير العالم ويلجم آلة الحرب الصهيونية.

أما حلفاء الفلسطينيين وأقرب الأطراف المهيأين لنجدتهم فلكل منهم صعوباته الخاصة. هكذا ترتكب مجزرة بيت حانون وسط حصار دولي على المقاومة في جنوب لبنان يحد من هامش المناورة أمامها فضلا عن انخراط حزب الله في نزاع دفاعي مع أطراف لبنانية وخارجية لاتخفي رغبتها بتجريد انتصاره في الحرب من أي معنى، وبالتالي إغراقه في وحول الأزمة الداخلية، وبالتالي منعه من مساعدة الفلسطينيين وفك الحصار عنهم أو تخفيفه كما حصل خلال الصيف الماضي.

ويبدو أن الضغوط الدولية التي تتعرض لها سوريا وإيران في الملف العراقي والملف النووي الإيراني لا تتيح للدولتين أيضا هامشا أكبر للمناورة في مساعدة الفلسطينيين، لذا تستأسد حكومة إيهود أولمرت في حربها على غزة علها تعوض الإهانة التاريخية التي أصيبت بها خلال غزو لبنان وتستعيد ثقة “الإسرائيليين” الذين رأوا بأم العين درة بلادهم الردعية تنهار كقصر من الكرتون في الحرب على المقاومة اللبنانية.

لا يكفي القول إن الصمت الدولي والعربي على مجزرة غزة هو دليل رضى، ذلك أن الرضى تحقق منذ تشكيل وزارة حماس ومشاركة الجميع في الحصار المضروب على الأراضي الفلسطينية، والذي ينطوي على نية صريحة بمعاقبة الشعب الفلسطيني على خياره الانتخابي الديمقراطي، وبالتالي حمل الفلسطينيين على تشكيل حكومة غير ديمقراطية تكون بديلا عن الحكومة الحالية ولا هم إن كان اسمها حكومة تكنوقراط أو وحدة وطنية أو خبراء أو ما شابه، المهم ألا تكون معبرة عن صناديق الاقتراع الفلسطينية.

بمقابل استراتيجية الانفراد “الإسرائيلي” الوحشي بالفلسطينيين ربما كان على السلطة الفلسطينية وحماس اعتماد استراتيجية وقائية مضادة بدلا من الرهان على الظروف الجديدة لتحقيق مكاسب بائسة، خصوصا أن “إسرائيل” نزعت من قاموسها وحتى إشعار آخر مشروع الحل التفاوضي حول دولة فلسطينية تعيش بسلام مع الدولة العبرية، وبالتالي بات الخط الذي يدافع عنه محمود عباس بلا قيمة فعلية على ارض الواقع، لعل حرمان الناخبين من حركة فتح من الأكثرية في البرلمان الفلسطيني واختيارهم لحركة حماس كان ينم عن إدراك عميق لهذه الحقيقة.

ما من شك أن عباس ارتكب خطأ فادحا برفضه فكرة الحكومة الوطنية التي عرضتها عليه حماس غداة الانتخابات، وارتكب خطأ فادحا أيضا عندما راهن وإن بطريقة غير مباشرة على توظيف الحصار الدولي ضد الحكومة من أجل تغيير ميزان القوى الداخلي الفلسطيني لمصلحة تياره، ذلك أن تراجع هذا التيار ليس ناجما عن تحول إيديولوجي لدى الشعب الفلسطيني، فالمؤشرات المتوافرة تؤكد أن المقترعين لحماس على أساس ديني لا تصل نسبتهم إلى عشرين في المائة، في حين أن النسبة الكبرى من الناخبين انصرفت عن فتح لأنها ما عادت في عهد محمود عباس تملك ضوءاً “في آخر النفق”.

قد لا يكون لدى كل الأطراف الفلسطينية في هذه الأوقات الصعبة ترف الانتظار أكثر والوقت الكافي للمناورات السياسية المسكينة والضئيلة ذلك أنه أياً كان الخيار الحكومي الفلسطيني البديل عن الحكومة الحالية فإنه لن يغير شيئاً جوهرياً في الاستراتيجية “الإسرائيلية”، ما يعني أن المهمة الأبرز تكمن الآن في الاتفاق على موقف وطني موحد ينعكس في تركيبة حكومية تتولى فك الحصار الدولي، وتوقف المجازر وتسمح للفلسطينيين بالتقاط الأنفاس تمهيدا لاعتماد استراتيجية مضادة للاستراتيجية “الإسرائيلية”... بالانتظار سيكون من المخجل حقا أن نسمع زعيما فلسطينيا يرمي خصمه بعبارات الفشل والشماتة أقله احتراما لدماء الشهداء.

الخليج الامارتية

أضف تعليق