هيئة علماء المسلمين في العراق

أين أنتم يا عرب؟ - بثينة شعبان
أين أنتم يا عرب؟ - بثينة شعبان أين أنتم يا عرب؟  - بثينة شعبان

أين أنتم يا عرب؟ - بثينة شعبان

«أين أنتم يا عرب» صرخت إحدى النساء الزاحفات إلى مسجد في بيت حانون، لإطلاق سراح الشباب المقاوم المحتجز هناك من قبل آلة القهر والإبادة الإسرائيلية. وقد نجحت النساء العزّل في إطلاق سراح الشباب المقاوم، قبل أن تهدم قوى الإجرام الصهيونية المسجد. ولا يملك المرء وهو يراقب هؤلاء النسوة العزّل المتشحات بالسواد إلا ويتساءل: ألهؤلاء أوكلت مسألة مواجهة النظام العنصري الحاقد، الذي يمارس آخر حرب إبادة بحق شعب أصلي، بعد أن مورست هذه الحرب من قبل، وأثبتت جدواها في إبادة السكان الأصليين، والاستيلاء على أرضهم وثرواتهم، وبناء دول على أنقاض حضارتهم وفنونهم ووجودهم. والمضحك المبكي في الأمر أن الولايات المتحدة، والتي تمارس حرب إبادة أخرى ضد الشعب العراقي وخيرة كوادره في العراق، قد رفضت الاعتراف بأن ما تقوم به «إسرائيل» ضدّ الشعب الفلسطيني في بيت حانون هو إبادة جماعية. وكأنّ الولايات المتحدة تمتلك السلطة الأخلاقية للحكم على المجرمين بحق الإنسانية، خاصة إذا كانت الجريمة إسرائيلية والضحايا عرباً. أما التوبيخ والنقد والتعبير عن القلق، فلم يمنع إسرائيل من إزاحة ملايين الفلسطينيين من أرضهم وديارهم إلى حدّ اليوم. فهل سيجلس الجميع مرتاحين لبادرة حسن نيّة هنا؟ وتغليف إعلامي يقصد منه تهدئة بعض الأصوات إلى أن يتحول السكان العرب الأصليون في فلسطين إلى جزء من الفولكلور الإسرائيلي، كما تحول «الأبورجينز» في استراليا اليوم، وتمّ الاعتراف بأنهم أصحاب الأرض الأصليون، بعد أن توقفوا عن تشكيل خطر على المستوطنين الجدد. والمضحك المبكي أيضاً، هو أن جريدة عربية وصفت هدم إسرائيل لمنازل أسر فلسطينية آمنة بالقول: «دعت إسرائيل السكان إلى مغادرة منازلهم»، ومقابل ذلك تستمع إلى امرأة فلسطينية تلتحف بطانية بعد أن أخرجتها قوات الاحتلال من منزلها الثالثة صباحاً مع الأسرة والأطفال، فتقول: أخرجوا البعض منّا كما ولدتهم أمهاتهم من دون ملابس، ولا نعلم لماذا قرروا هدم بيتنا، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وترى أم الرضيع تحتضنه وتبكي، وكأنّ أحداً لا يعلم ماذا يعني أن تخرجه قوات الاحتلال من منزله بالثياب التي عليه، وتهدم المنزل، فتهدم بذلك تحصيل وثروة عمره، كما تهدم كلّ ما هو عزيز عليه من ممتلكات أو ذكريات ضمن سياسة تهجير مرسومة ومحددة المعالم، تهدف في النتيجة النهائية إلى إزاحة الفلسطينيين من الجنوب الشرقي من الضفة الغربية. والغريب أيضاً، أن يسمّي الإعلام العربي جرائم الإبادة الجماعية هذه بـ«العمليات الإسرائيلية» والمجازر التي ترتكبها إسرائيل بحق الشباب والنساء والأطفال «باستهداف نشطاء أو مسلحين»، رغم أن الاستهداف هو للشعب الفلسطيني برمته، وهذا لم يعد يحتاج إلى براهين.

جاء ذلك متزامناً مع اعتراف بوش، أن ما يعنيه في الشرق الأوسط، هو السيطرة على الموارد النفطية، وعدم التخلي عن إسرائيل «أو عن بعض حلفائنا الآخرين»، والسؤال هو كيف يمكن للعربيّ أن يكون حليفاً للولايات المتحدة في دعمها المطلق لإسرائيل، وألا يتجاوب مع صرخات الأمهات والأطفال في فلسطين والعراق، وأخيرا في لبنان، والذين وقعوا ضحية الجرائم الإسرائيلية والأميركية في حرب إبادة منظمة لتفتيت العرب، وإذكاء نار الفرقة بينهم، والوصول بهم إلى الاقتتال الطائفي والأهلي، بحيث لا تضطر إسرائيل إلى صرف الموارد على إبادتهم، بل يبيدون بعضهم بعضاً. ربما لهذا نجد تقريراً بريطانياً يعبّر عن قلق حقيقي من استخدام إسرائيل لليورانيوم المنضب في لبنان، وفي مدينة الخيام الجنوبية، بينما تعمد أطراف لبنانية إلى التقليل من شأن هذا الأمر، غير آبهة بحياة المواطنين والأخطار المحدقة بحياتهم هناك. لقد خلص تقرير الخبير بوزبي إلى القول: «إن الآثار الصحية على السكان المحليين في أعقاب استخدام اليورانيوم والأجزاء المتطايرة منه ستكون خطيرة، ولذلك ننصح بإعادة فحص آثار أخرى لهذه الأسلحة في المنطقة بهدف تنظيفها». كما قالت منظمات حقوق الإنسان، أن إسرائيل قد ارتكبت جرائم حرب حين هاجمت المدنيين في لبنان، بينما يعمد بعض العرب إلى وضع اللوم على من قاوم إسرائيل، وقاتل إسرائيل وهزم إسرائيل للمرة الأولى في تاريخ العرب. إن ما يحلّ بالعرب يومياً في العراق وفلسطين ولبنان أكثر من أن يحصى، والغرب مشغول بسلامة قواته وإيجاد مخارج لها، مع الحفاظ على نفط العرب متدفقاً رخيصاً إلى مستهلكيه في الغرب، والحفاظ على ربيبته إسرائيل تتحدى الأمم المتحدة وكلّ القوانين والأعراف والأخلاق في انتهاكها لحرمة حياة العرب وأرضهم ومنازلهم ومستقبل أولادهم. فأين هم حكام العرب فعلاً؟! وما هي معاييرهم اليوم في الشعور بالخجل مما يحلّ بأهلهم من قتل وتهجير وإذلال وإهانة؟! وما هو معيار الصداقة التي تربطهم بكلّ من يرتكب هذا بحقهم، أم أنهم مسؤولون فقط عن أمنهم الشخصي وحسب؟!

جواباً على صرخة تلك السيدة، التي ربما أصبحت شهيدة اليوم، بعد أن قرأت خبر استشهاد امرأتين فلسطينيتين، وبعد أن رأيتها تصرخ للعرب، ورأيت أخرى تستشيط غضباً في وجه جندي إسرائيلي مدجج بالسلاح، بينما ترتعد أنظمتها وجيوشها من مجرد فكرة نجدة هؤلاء النسوة بمواجهة مع إسرائيل. أقول إن بعض العرب منخرطون في الإعلان عن الولاء والصداقة والتعاون مع من أكدوا بما لا يقبل اللبس أنهم يريدون من العرب نفطهم وأرضهم، ومن المنطقة الأمن والازدهار لإسرائيل. وأن الخطوط الحمر، التي أعلنت للحفاظ على أي منهم في السلطة، تنسجم فقط مع هذه الأهداف المعلنة. أما الصياغات التي يخترعها أعداء العرب لتغليف كلّ الجرائم التي ترتكب بحقهم، وتبرير حرب الإبادة والتهجير ضدّ الأطفال والمدنيين العرب، فلا تنطلي على من يتمسك بعروبته، ويعتبر حياة المدنيين والنساء والأطفال في بيت حانون، وقبلها في بيروت وقرى الجنوب ومعها مدن العراق وشوارعها، هي حياة كلّ عربيّ، وكرامة أسر ضحايا التعذيب والتفجير والفتنة التي أشعلتها الحرب الأميركية في العراق، والذي يريد التدخل الأميركي في لبنان إشعاله، هي كرامة كلّ عربيّ يفخر بعروبته. وأن من يستهدف العرب لن يتذكر أسماء أحد من ضحاياه، بل سيسجل الانتصارات التي حققها مستخدماً من أوعزت له نفسه أنه ذو قيمة تتعدى قيمة أمته ووطنه وأرضه وترابه. كما وزع الجيش الإسرائيلي وثيقة بأن انتهاك أجواء لبنان تهدف للضغط على العالم، سوف تنكشف الوثائق في المستقبل التي تظهر المخططات الخفية لتفتيت هذه الأمة، وسلب خيراتها، وتنصيب إسرائيل قوة عظمى في المنطقة. ولكن ماذا ستفيد الوثائق بعد أن يفوت الآوان؟ أولا يرى البعض أن خلق العداوات والحزازات بين الشركاء الحقيقيين والأهل التاريخيين، تهدف إلى إضعاف الجميع؟ أولم يروا أن أعضاء الكونغرس لا يعرفون الفرق بين السنة والشيعة، وأنه لا يهمهم من العراق سوى سلامة الجيش الأميركي، وأنهم وضعوا نصباً للجنود، الذين قضوا في العراق، فمن سيضع نصباً لكلّ الملايين من شهداء العراق ولبنان وفلسطين والسودان، أهمُ العرب؟ وأي عرب؟! حلفاء أشقائهم في القومية والدين، أم حلفاء أعدائهم ومستعمريهم وقتلة أهلهم؟! وكيف يمكن أن يكون حكام الدار أصدقاء لمن ينتهك حرمة دارهم، أم أن حكام الديار لم يعودوا معنيين بديارهم، بل فقط بسلامة جلدتهم، أوليس هذا مؤشراً رهيباً على مدى الضعف الذي وصلوا إليه، أو ليس من حق نساء فلسطين أن يصرخن: أين أنتم يا عرب؟ لا توجد تسمية أخرى لما تقوم به إسرائيل في بيت حانون وبيت لاهيا والضفة والقطاع سوى حرب إبادة ضدّ شعب فلسطين الأصلي لاستقدام المستوطنين مكانه. فماذا هم فاعلون، أصدقاء وحلفاء الشراكة الأميركية ـ الإسرائيلية، التي تشن حرب الإبادة هذه؟ ومخطط الإبادة يبدأ من فلسطين ويستهدف العرب والعروبة، فماذا أنتم فاعلون؟؟

الشرق الاوسط

أضف تعليق