تعد ظاهرة البطالة التي تتفاقم بشكل مضطرد ويتسع نطاقها عاما بعد عام من ابرز المشكلات والازمات التي يعاني منها المجتمع العراقي ولا سيما شريحة الشباب الخريجين الذين يأملون في تحقيق احلامهم بالحصول على وظيفة مناسبة في هذا البلد الذي ما زال يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، اصافة الى الثروات الاخرى.
ونتيجة لفشل حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ الغزو الهمجي الذي قادته الادارة الامريكية عام 2003 وما نجم عنه من سياسات طائفية وتدهور أمني وفوضى عارمة وانتشار لآفة الفساد المالي والاداري التي ما زالت تنخر في جسم العراق الجريح، اضحت البطالة من المشكلات والازمات المستعصية التي يواجهها العراقيون الذين يكابدون شظف العيش، في الوقت الذي يواصل فيه حيتان الفساد والقطط السمان الاستخواذ على ثرواتهم ونهب خيراتهم.
ووفقا للإحصاءات التي اجريت مؤخرا، فان العراق ما زال يتصدر دول الشرق الاوسط في نسبة البطالة التي تقدر بـ(59%) من حجم القوة العاملة، و(31%) من البطالة المؤقتة، ونحو (43%) من البطالة المقنعة، كما تقدر نسبة النساء العاطلات في العراق بـ(85%) من القوة النسائية العاملة.
واكدت وكالات الانباء التي تراقب الشأن العراقي ان الإشكالات التي عمّقت أزمة البطالة وخاصة في صفوف الخريجين تتلخص في عدم وجود ملاءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل؛ ووجدت ان امتصاص مضاعفات البطالة يكمن في مراجعة السياسة الاستثمارية الحالية، وتحسين بيئة العمل، والتخطيط لإنشاء مدن صناعية وتجارية، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتشجيع شركات القطاع الخاص على الاستثمار والدخول بقوة إلى السوق العراقية، والتخطيط لزيادة الاستثمار الحكومي في المشاريع الانتاجية الكبيرة، وإجراء إحصاء شامل للعاطلين عن العمل من الخريجين وحملة الشهادات العليا وتحليل تلك الإحصائيات والبيانات.
ولفتت التقارير التي تصدرها المنظمات المحلية والدولية، الانتباه الى ان ما يتعرض له العراق منذ ابتلائه بالاحتلال السافر من تدهور أمني ومشكلات اقتصادية واستمرار أزمة الفساد المالي والإداري التي تتفاقم يوميا، تسببت في مضاعفة ظاهرة البطالة التي استثمر المشاركون في العملية السياسية الحالية اضطراباتها الاجتماعية والمستقبل المجهول للفئات العاطلة عن العمل.
ويرى المحللون والمهتمون بالشأن العراقي ان انتشار البطالة على نطاق واسع وشمولها فئات الخريجين وحاملي الشهادات العليا وتداخلها مع ظاهرة الفقر، ساهم في ازدياد أعداد العراقيين المهاجرين بحثاً عن فرص العمل، إضافة الى الهجرة التي أفرزتها الظروف السياسية الفاشلة، حيث اصبحت ظاهرة البطالة معضلة وطنية كبيرة، لا يمكن معالجتها في إطار التدابير النمطية التقليدية بل من خلال تعبئة الجهود والإمكانات، وعبر إعداد إستراتيجية شاملة تضع في اعتبارها بأن مشاريع القطاع الخاص هي القادرة على استيعاب الأعداد الهائلة من العاطلين عن العمل، واعتماد سياسات تمويل وإقراض موسعة وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية.
وبسبب السياسات الفاشلة لحكومات الاحتلال تلتحق أفواج الخريجين سنوياً بملايين العاطلين وذلك لندرة التعينات سواء في القطاع العام او الخاص، فاصبح البيت العراقي لا يكاد يخلو من شاب عاطل عن العمل، كما بات العاطلون بما فيهم حملة الشهادات العليا يملؤون المقاهي والكازينوهات والشوارع والحدائق العامة، وهم يبحثون عن فرصة عمل في أي مكان.
وكانت البطالة السبب الأول لاندلاع التظاهرات التي شهدتها مؤخرا العاصمة بغداد وعدد من المحافظات ولاسيما الشباب الذين انهوا دراستهم ثم ركنتهم البطالة في خانة البؤس والحرمان، وبات بعضهم يعيش حالة من اليأس والاحباط ومشاعر الألم، نتيجة انعدام فرص النمو والرفاه الاقتصادي، والعجز في البنى الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن استشراء الفساد والمحاصصة الطائفية وسوء التخطيط الذي يعاني منه هذا البلد منذ عام 2003.
لقد اثبتت العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية بان الخطر الحقيقي للبطالة الذي يتجاوز الأثر الاقتصادي، هو الانحرافات المجتمعية للشباب ودوره في انتشار الجريمة والادمان وغيرها من الآفات التي يعاني منها العراقيون اليوم، حيث اصبحت الآثار الاجتماعية للبطالة تأخذ أشكالا متعددة بسبب الاهمال والتهميش واللامبالاة وعدم ايجاد الحلول الناجعة لهذه المعضلة من قبل الحكومات التي لا هم للمسؤولين فيها سوى تحقيق مصالحهم الشخصية وملء جيوبهم من السحت الحرام على حساب معاناة هذا الشعب المظلوم.
وكالات + الهيئة نت
ح
