ربما لم يعرف الرئيس الأمريكي جورج بوش حالة من الحرج السياسي كما هي الحال التي يعيشها هذه الفترة، التي تسبق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس،
والمتوقع أن يمنى فيها الحزب الجمهوري بهزيمة كبيرة تعطي الديمقراطيين أغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، يصبح بعدها وضع الرئيس بوش خلال العامين المتبقيين من فترته الرئاسية الثانية صعبا للغاية، بعد أن كان الأمريكيون منحوه وحزبه ثقة كبيرة قبل عامين بمبرر نجاحه في الحرب ضد الإرهاب، ونتيجة للقلق الذي بثته الحملة الانتخابية له في ذلك الحين من خلال الإيحاءات المتكررة بين الحين والآخر حول اكتشاف مخططات إرهابية لاستهداف الولايات المتحدة على غرار ما حدث في 11سبتمبر/ أيلول ،2001 وأنه الرئيس القوي القادر على كبح الإرهاب ووقفه عند حده.. وبعد عامين اكتشف الأمريكيون أن بلادهم لم تكن معرضة لأي مخاطر من ذلك النوع وأن الإرهاب قد استشرى في العراق وانبعث من مرقده في أفغانستان.. و”كأنك يابو زيد ماغزيت”!
إن مشكلة الإدارات الأمريكية عموما، والإدارة الحالية تحديدا، تكمن في قلة خبرتها وضعف معرفتها بطبيعة التكوين التاريخي والفكري والاجتماعي والسيكولوجي للمنطقة العربية، خاصة والإسلامية بشكل عام، وفيما هي أي الإدارة الأمريكية داعية الديمقراطية الأولى في العالم فإنها غدت تستخدم منطق القوة في فرض إرادتها ونفوذها، بل وفي نشر الديمقراطية بالأسلوب الذي كان محل استهجانها في مرحلة الحرب الباردة.. والواضح أن هذا الأسلوب ليس صالحا للعمل في هذه المنطقة، وأنه بدلا من أن يجلب الاستقرار فقد أدى إلى العكس تماما، فمنذ لحظة دخول القوات الأمريكية بغداد قبل أكثر من ثلاث سنوات لم تجد هذه القوات الزهور التي كانت تتوقع أن يستقبلها العراقيون بها، بل وجدت بدلا عنها الموت لأفرادها، رغم يقيننا أن الشعب العراقي كان قد وصل الذروة في ما يخص كراهية نظام صدام حسين الذي لم يعرفوا في عهده لحظة حرية أو استقرار حيث كانوا يعيشون في ظل واحد من أعتى الأنظمة البوليسية في العالم ناهيك عن أن البلاد ظلت تخرج من حرب لتدخل في أخرى.. لكنهم اليوم يحلمون بلحظة واحدة لا تنفجر فيها سيارة ملغومة أو تزهق فيها أرواح العشرات من الأبرياء من دون ذنب سوى أنهم يخرجون إلى الشارع أو المسجد لممارسة حياتهم الطبيعية بكل حرية فيقابلون بأبشع أنواع الموت.
وعلى الرغم من الإنجاز الكبير بتصفية زعيم القاعدة في العراق أبومصعب الزرقاوي قبل عدة شهور، فإن شيئا لم يتغير، بل ازدادت حدة العنف في العراق الذي أصبح يعيش حربا أهلية غير معلنة.. فلا نفعت استفتاءات على الدستور ولا نفعت الانتخابات النيابية الأولى والثانية ولا نفع الائتلاف الذي يضم ممثلين عن القوى المذهبية والعرقية.. وأصبحت الرؤية المستقبلية غير ممكنة إلا باتجاه واحد هو حرب أهلية صريحة وواضحة وتقسيم للعراق، وهو ما يخيف دول الجوار، بل ويخيف الولايات المتحدة نفسها، التي تعتبر حدوث مثل هذا السيناريو متقاطعا تماما مع مصالحها الحيوية في المنطقة كلها وفي العراق نفسه، الذي غزته واحتلته لتسيطر على نفطه وثرواته وتعتبره منطلقا حيويا للهيمنة على الدول المحيطة به، سواء تلك (المشاغبة) أو الحليفة، ولمحاصرة إيران بالذات فوجدت نفسها أي واشنطن هي المحاصرة من إيران داخل العراق.
من الواضح أن مشكلة أمريكا في العراق هي مع أطراف ليست عراقية في الأصل.. فالتيارات الشيعية التي كانت تعارض نظام صدام حسين كانت ولاتزال تحتفظ بعلاقات ممتازة مع إيران، خاصة أنها هي من يحظى اليوم بالأغلبية النيابية في البرلمان، وفي هذا ما قد يبدو تناقضا غريبا من حيث نجاحها في الاحتفاظ بعلاقات استراتيجية مع طرفين متخاصمين تماما، ولذلك فإن الإدارة الأمريكية تدرك جيدا ضرورة محافظتها على علاقات جيدة مع التيار الشيعي في العراق، باعتبار أن دخولها في مواجهة سياسية وعسكرية معه سيعني خروجها الفوري مهزومة من هذا البلد وتسليمه نهائيا للنفوذ الإيراني.. ومن جانب آخر فإن التيارات السنية المشاركة في الحكم اليوم ومعظمها كانت معارضة لنظام صدام حسين، خاصة تيار الإخوان المسلمين يجد نفسه منقطع الصلة تماما بتنظيم قاعدة العراق وغيره من التنظيمات السنية التي تقاوم الاحتلال، ومن ثم فإنه لا جدوى من الحوار مع تنظيمات العنف والمقاومة عن طريق هذه التيارات المشاركة في الحكم.
إذن فما المخرج الذي سينقذ الولايات المتحدة من الغرق في مستنقع (فيتنامي) آخر لكنه في العراق وأفغانستان هذه المرة؟ الحقيقة أن الصورة غامضة، والبيت الأبيض يدفع اليوم ثمن قراراته المتسرعة فور نجاحه في إسقاط النظام السابق، إذ كان حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية والجهاز المدني خطأ فادحا بل واستراتيجيا أدى إلى ما يعيشه البلد اليوم من فوضى وخراب ودمار، إذ إن ملايين المواطنين العراقيين وجدوا أنفسهم فجأة في الشارع يعانون من البطالة والفاقة لا ذنب لهم سوى أنهم مصنفون بأنهم بعثيون، وهم في الحقيقة لم يكونوا أكثر من كادر وظيفي ليس مسيسا بالمعنى المعروف للتسيس والتحزب.. كما أن الولايات المتحدة لم تنجح بسبب قلة خبرتها في احتواء النعرات المذهبية والعرقية التي وجدت متنفسا لها بعد سقوط نظام صدام حسين، فالعراق لا يعيش من دون وحدة وطنية حقيقية تتجاوز المذهبيات والعرقيات، ومن ثم فهل تملك الإدارة الأمريكية الجرأة والشجاعة على مواجهة نفسها بأخطائها باحثة عن حلول تتدارك ما يمكن تداركه وتعالج ما يمكن معالجته قبل فوات الأوان، وانفلات عقد الوحدة الوطنية العراقية التي نجحت في مقارعة الاستبداد والاستعمار خلال القرن الماضي؟!
الخليج الامارتية
مأزق الجمهوريين في العراق - نصر طه مصطفى
