لم تستطع حكومات الاحتلال المتعاقبة طيلة الحقبة الزمنية التي اعقبت الغزو الهمجي الذي قادة الادارة الامريكية تحت ذرائع وادعاءات زائفة، أن توفر الحد الادني من مستلزمات العيش الكريم للشعب العراقي الذي ما زال يعاني من الدمار والخراب وانهيار البنية التحتية على كافة الصعد وعلى رأسها المنظومة الصحية التي تسببت بازهاق ارواح آلاف المرضى نتيجة عدم توفير العلاج اللازم بالرغم من الميزانيات السنوية الضخمة.
ولا يخفى على القاضي والداني بان العملية السياسية الحالية وكل ما تمخض عنها من دستور فاشل وانتخابات مزيفة وتشريعات لا تسمن ولا تغني من جوع، هي نتاجات غير شرعية وفاسدة بكل المقاييس الدولية، وتتحمل جميع الاحزاب والكتل المشاركة في هذه العملية مسؤولية ما يحدث في هذا البلد الجريح من مآسي وويلات ومصائب ونكبات متلاحقة.
ورغم مرور أكثر من (16) عاما على الاحتلال السافر ما زال الانسان العراقي يعاني من كارثة صحية وبيئية اصبحت تهدد حياته بصورة مباشرة نتيجة استمرار آفة الفساد المالي والإداري المستشرية في جميع المؤسسات والدوائر الحكومية ومنها وزارة الصحة التي فشلت في تأمين المستلزمات الطبية اللازمة للمرضى بالرغم من توفر المال والثروات الطائلة.
وفي هذا الاطار، أجمع المحللون والمراقبون للشأن العراقي على ان العراق يعيش منذ عام 2003 مرحلة الانهيار البيئي بصورة عامة والصحي على وجه الخصوص .. مؤكدين ان هذه المرحلة ـ التي تميزت بالاستهداف المباشر والتدمير الواسع للمؤسسة الصحية ـ تزامنت مع حملات التصفية والتهجير التي طالت آلاف الاطباء والعلماء والكوادر الطبية في ظل النقص الحاد بالدواء الذي استنزف الطاقات البشرية، ما انعكس سلبا على منظومة القيم والسلوك الطبي الذي نجمت عنه كوادر طبية ناشئة وغير كفوءة هدفها الاثراء والكسب المادي على حساب معاناة المرضى، ما تسبب بغياب الجانب الانساني لمهنة الطب وفقدان الثقة بين الطبيب والمواطن في هذا البلد الذي تأسست فيه أشهر مدرسة طبية في التاريخ هي مدرسة (الرازي، وابن سينا).
ووفقا لمنظمات وهيئات دولة تعنى بالدفاع عن حقوق الانسان، فان العراق شهد نزوح وهجرة أكثر من 70% من الاطباء والكوادر الطبية، مع استمرار جرائم الخطف والتهديد بالقتل التي يتعرض له الاطباء والعلماء، وسط قلة التخصيصات المالية للخدمات الصحية، وتفاقم ظاهرة الفساد الاداري والمالي في المؤسسات والمستشفيات والمراكز الصحية التي تفتقر لابسط وسائل الرقابة في ظل هيمنة الاحزاب والكتل الطائفية على وزارة الصحة وتنصيب ادارات مسيّسة وغير كفوءة.
ونتيجة لتفشي الرشوة والاختلاس والابتزاز وابرام العقود الوهمية لاستيراد الادوية والمستلزمات الطبية وخضوع شركات الادوية للإغراءات، وهدر المال العام، شهدت المؤسسات الصحية خلال السنوات الماضية تراجعا ملحوظا نتيجة لغياب قواعد وبروتوكولات العمل بالمؤسسات وفق المواصفات الطبية الصحيحة، ما ادى الى ازدياد نسبة المرضى والوفيات، كما تسبب عدم كفاءة الوسائل والبرامج الوقائية كالتلقيح وخدمات الامومة والطفولة والصحة المدرسية ووسائل التعقيم بتفاقم مشكلة التلوث البيئي وانتشار الامراض السرطانية والاورام المختلفة والتشوهات الخلقية بشكل غير مسبوق جراء نقص وسائل التشخيص والعلاج والرعاية.
وتسبب ازدياد الاصابة بالامراض المعدية والوبائية ونقص المناعة بكوارث صحية زادت من نسب الوفيات وخاصة بين الاطفال الخدج وحديثي الولادة، كما ساهمت الأمراض الوراثية والخلقية ووسائل تشخيصها وعلاجها في استفحال الكارثة الصحية، فيما انتشرت الامراض المزمنة كالسكري وامراض القلب والفشل الكلوي وارتفاع ضغط الدم والنوبات القلبية والجلطات الداغية وامراض الغدد الصماء والعقم بشكل واسع نتيجة عدم توفر العلاجات الكافية.
ونسبت الانباء الى مواطن كان يرافق أحد المرضى في مستشفى اليرموك وسط بغداد قوله: "ان المستشفيات بصورة عامة تفتقر الى ابسط المستلزمات العلاجية الضرورية، ما يضطر المراجع الى شرائها من الصيدليات الخارجية، كما ان الكادر الموجود داخل الردهات لا يستجيب لنداء المريض الا في حالة اعطائة مبلغ من النقود، فضلا عن انعدام النظافة في جميع اروقة المستشفيات" .. مشيرا الى ان هبوط مستوى الخدمات الصحية وصل الى وصف العلاج الخاطيء للمريض، وسط غياب واضح لوزارة الصحة والجهات المعنية.
ونتيجة لما تقدم، فان الوضع الصحي القائم في العراق ما زال يشكل خطرا محدقا وكارثة انسانية كبيرة على حياة المواطن المثقل بالمشكلات الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي خلّفها الاحتلال السافر وحكوماته التي فشلت في توفير الحد الادنى من وسائل العيش الكريم لهذا الشعب المظلوم الذي يتعرض بشكل يومي لابشع الممارسات القمعية والانتهاكات الصارخة وسط صمت المجتمع الدولي الذي لم يحرك ساكنا ازاء ما يواجهه هذا البلد من أزمات منذ الاحتلال المشؤوم عام 2003.
وكالات + الهيئة نت
ح
