ليس غريباً على أي متابع للسياسة في هذا العالم أن يستدل من خلال هذا العنوان بأن الكلام يدور عن التخبط الأمريكي بعد أكثر من ثلاثة أعوام ونصف العام على الحرب واحتلال العراق من قبل القوات الأمريكية ومن تحالف معها.
نجد أن الإدارة الأمريكية ممثلة برئيسها تتخبط وتعلوها الحيرة في كيفية معالجة الأمور على أرض الواقع فبعد أن روّجت هذه الإدارة لإقامة عملية سياسية تحت رعايتها بدءاً من مجلس الحكم إلى الحكومات المتعاقبة التي تلته نراها تعالج أخطاءها بأخطاء أخرى لا تقل فداحة عن سابقتها فبعد تعاقب مسلسلات التعذيب في سجن أبي غريب ثم ممارسة أنواع التفجيرات في الساحة العراقية سواء منها ما كان يستهدف المواطنين في تجمعاتهم أو تلك التي تستهدف البنى الاجتماعية للمجتمع العراقي وصولاً إلى تفجير المرقدين في سامراء لتبدأ صفحة جديدة مخطط لها مسبقاً وقد أعدت أدواتها بشكل يؤدي إلى قيام الحرب الأهلية المنشودة من قبل الأمريكان ولهذا كانت هذه الصفحة من أشد صفحات الاحتلال ضراوة وغموضاً لأنها استخدمت أبشع أنواع القتل وقطع الرؤوس مع الإصرار على التعذيب قبل القتل ومن ثم رميها في فضاءات بغداد ليطلق عليها اسم جديد في عالم السياسة الأمريكية ألا وهو الجثث المجهولة الهوية وقد تناولت وسائل الإعلام أخبار هذه الجثث التي يعبَّر عنها بأنها مجهولة الهوية ولكن يا ترى كم من الجثث المعلومة الهوية وجدها أهلها بجانب هذه الجثث المجهولة!!.
في ظل هذا الوضع المتأزم والصعب أرادت أمريكا تمرير مشاريعها في المنطقة من خلال عملية سياسية ولكن الذي يجري على الساحة غير الذي تخطط له أمريكا أو تمارسه على الأرض, فأهل الأرض دائماً هم من يخطط وينفذ وقد آلى أهل العراق على أنفسهم أن لا يدعوا المحتل يهنأ بغمضة عين ما دام في العراق.
إن احتلال العراق وما تبعه من قتل عشوائي للمدنيين واعتقال وتعذيب ينم عن همجية أمريكية ومن ثم الاعتماد على صناعات أخرى للموت وإدخالها في العراق من خلال تدخل دول الجوار ودعم فرق الموت وفسح المجال لها بالعمل بكل حرية ما هو إلا تخبطات أمريكية في محاولة للخروج من هذا المأزق الموحل الذي يحيط بها من كل جانب، ولذلك نجد بوش في أحد خطاباته في الأسبوع الماضي يستجدي النصح والمشورة في ما يجب عليه أن يعمل في ظل هذه الأوضاع المتفاقمة التي أدت به إلى تصعيد لهجة الخطاب للمنخرطين بعمليته السياسية الجارية في العراق وذلك بتحديد جدول زمني لإنهاء العنف الذي يعصف بالبلاد وحين تكون العملية السياسية غير قادرة ولا مؤهلة لإنهاء هذا العنف عمدوا إلى إحداث مناورة سياسية على غرار ما يحدث في الخليج الآن من مناورات عسكرية بقيادة أمريكا لخمس وعشرين دولة ولكن هذا التصعيد فشل أيضاً في إيجاد الحل ولم يكن من بد إلا أن يداروا الأمر ويعالجوه من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة جماعة الإدارتين ليخرجوا علينا بتوصيات بعيدة كل البعد عما يحتاجه الشعب فقد كان من بين المقررات الاتفاق على تدريب قوات للسيطرة على الوضع الأمني للبلاد، والسؤال المطروح في مثل هذه الحالة ماذا كنتم تفعلون على مدى السنوات الماضيات؟ وماذا يمكن أن تفعل هذه القوات، والقائمون على العملية السياسية يصرحون بأنهم لا يستطيعون تحريك سرية في هذا الجيش.
خلاصة الأمر أن معالجات أمريكا ما هي إلا خبط عشوائي لا يمكن لها أن تجد حلاً إلا بالاقتناع بترك البلد وإلا فإنها سترغم على تركه، أما خطابات بوش في الداخل الأمريكي فإنها خطابات في الوقت الضائع ولن يكون لها صدى وإنما تنم عن حيرة حقيقية في معالجة الأمور نتيجة توالي ضربات المقاومة.
فالحرب تكاليفها باهضة وقتلى الاحتلال يقترب عددهم وفق البيانات الأمريكية من 3000 قتيل وفي خلال شهر تشرين الأول وحده تجاوز عدد قتلاه المائة، فالداخل الأمريكي يرى أن شخصية الرئيس بوش مستهلكة ولم يعد مقنعاً مع هذه الخسائر المتلاحقة في العراق مضافاً إليها انعكاسات الوضع في العراق في إشعال المقاومة والحرب في أفغانستان مما يعني أن هناك فشلاً واضحاً في أفغانستان أيضاً كما أن ما حدث ويحدث في لبنان وفلسطين دليل مضاف إلى فشل الإدارة الأمريكية في حربها الاستباقية تحت عنوان الحرب على الإرهاب.
إن الوضع في العراق كفيل بترجيح كفة الديمقراطيين على الجمهوريين لأن الناخبين أدركوا فداحة الأمر إذا مضوا على ما يخطط بوش وإدارته.
أخيراً نقول إن تداعيات التخبطات الأمريكية ومعطيات المقاومة العراقية في تصديها للاحتلال كفيلة برسم مستقبل العراق وفق ما يراه أهله لا وفق ما تخططه الإدارة الأمريكية.
إن المقاومة العراقية مضافاً إليها كل القوى المناهضة للاحتلال على خطى ثابتة ولم تغادر ثوابتها بل إن الوقائع على الأرض تسير بشكل متسارع من أجل تطبيق هذه الثوابت وجعلها الحقائق التي يتم الاستناد إليها في أي تغيير محتمل.
اللهم وفق المخلصين من أبناء هذا البلد لما تحب وترضى
حيرة الرجل المترنح - كلمة البصائر
