بلغ ابني مروان سن السادسة وأدخلناه المدرسة الابتدائية وأصبح من تلامذة الصف الاول الابتدائي وكان درسه الاول في القراءة الخلدونية هو (دار) وافهمت معلمة القراءة جميع التلاميذ ان (دار) تعني بيت ولكل عائلة بيت أو شقة تعيش فيها،
فالبيت والشقة سواء كانت ملكاً أم ايجاراً هي دار العائلة ولها حرمتها واحترامها من السكان والجيران الآخرين فلا يجوز دخولها الا بإذن اصحابها فان لم يكن فيها أحد فيجب أن نرجع ،والجيران متعاونون فيما بينهم في السراء والضراء يدافعون عن دورهم ويحمونها من اللصوص والسراق. وأنا اضيف الى كلام المعلمة ان مجموع العوائل العراقية تكون المجتمع العراقي الذي يعيش على هذه البقعة المباركة من ارض الرافدين المعطاء التي هي دارنا فالعراق دارنا الكبيرة الممتدة من زاخو في الشمال الى الفاو في الجنوب ومن المنذرية شرقاً الى طريبيل في اقصى الغرب فالعراق هو دارنا التي جمعنا منذ مئات السنين بكل اطياف وألوان قومياتنا وطوائفنا ومذاهبنا ودياناتنا بدون عقد عنصرية بل عشنا في هذه الدار عائلة واحدة متوحدة قلباً وقالباً ترتوي من ماء دجلة والفرات وتأكل من خيرات هذه الارض المباركة المعطاء . الا ان اعداءنا لم يسعدهم ان يروا ابناء هذه الدار يعيشون بسلام وأمان فقد طمعوا بدارنا وخيراتها وثرواتها وموقعها المتميز بين الدور الاخرى فقرروا الاستيلاء والاستحواذ عليها مثلما استحوذ واحتل اليهود من قبلهم داراً عربية عزيزة على العرب والمسلمين ألا وهي فلسطين الاقصى الشريف قبلة المسلمين الاولى ومسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وانهم باحتلال دارنا دار السلام بغداد وسقوطها بأيدي رعاة البقر في 9 نيسان 2003 ارادوا ان يسكتوا صوتنا المطالب برحيل شرذمة اليهود الصهاينة من دارنا العربية المغتصبة في فلسطين السليبة. لقد سقطت دار السلام بغداد ويا للاسف بسبب تعاون الجار ذي القربى والجار الجنب مع هؤلاء المعتدين الأوباش القادمين من وراء البحار البعيدة وقد نسوا حقوق الجوار كما تقتضيه الأخلاق الكريمة وتعاليم الاسلام. لقد احتلوا دار السلام بحجج واهية أوهن من بيت العنكبوت فمرة بحجة امتلاك اسلحة تدمير شاملة وعندما لم يجدوا منها شيئاً بعد الاحتلال قالوا انهم جاءوا ليخلصونا من الدكتاتورية الظالمة المستبدة وانهم جاءوا بالديمقراطية بدلاً عن الدكتاتورية الظالمة المستبدة وانهم سيجعلون من دارنا نموذجاً للديمقراطية في دور منطقة الشرق الاوسط الكبير أو الجديد كما يسمونه هذه الايام.
نعود الى ابني مروان وما كتب بدفتره كما أمرته معلمة القراءة سنجد انه كتب الدال والألف ثم الراء كل حرف في صفحة واحدة ليتقوى على رسم الحرف العربي. لكنني رايت في (د) مروان دم العراقيين الحرام مسال ومسفوك منذ أكثر من ثلاث سنوات في الليل والنهار بأيدي قوات الاحتلال الانكلو- أمريكي وبأيدي مليشيات الاحزاب الاجرامية وفرق الموت بدوافع طائفية وعنصرية من أجل التطهير العرقي والمذهبي والطائفي وتهجير وتشريد العوائل من دار سكناهم ومناطقهم التي ولدوا وعاشوا بها تمهيداً لاقامة اقاليم على اسس طائفية ومذهبية وعرقية عنصرية بغيضة.
ان الدم العراقي اضحى رخيصاً ولا يعني شيئاً للكثير من ساستنا الذين تباكوا من ظلم الدكتاتورية واستبدادها وهم اليوم يفعلون افعالاً لم تفعلها الدكتاتورية بل تجاوزوها في الاجرام والطغيان فالدكتاتورية لم تهدر الدم الحرام على الهوية وعلى الاسم ولم تهدر الدم لتهجر العوائل ولم تهدر دم العراقيين لاجل تكوين الاقاليم، فاليوم بلغ مقدار العوائل المهجرة بسبب الطائفية اكثر من(51000) عائلة وأكثر من(300،000) مهجر ماذا يفعل العراقي لكي يحافظ على عائلته من الذبح والقتل سوى ترك داره ومنطقته ويصبح مهجراً في بلده امام انظار حكومته التي عجزت من اول يوم عن حل المليشيات الاجرامية والقضاء على فرق الموت التي استباحت الدم العراقي الطاهر، فالجرح العراقي ما زال ينزف ليلاً ونهاراً وحكومة الديمقراطية المزعومة مكتوفة اليدين امام الدم المسفوك في شوارعنا ومساجدنا وبيوتنا بايدي قوات الاحتلال وعصابات الحكومة. انها حكومة من ورق ستطير في مهب الريح. ان الدم العراقي هو اثمن رأس مال يجب ان يكون الهدف الاول في سلم اولويات اي حكومة مقبلة فبدون الحفاظ على دماء العراقيين لا يمكن ان نحافظ على وحدة البلاد وعدم انجرارها الى حرب اهلية كما يريدها المحتل واذنابه من دعاة التقسيم والاقاليم فان دعاة الاقاليم والانفصال تتفق خططهم وأهدافهم مع خطط وأهداف المحتل في اقامة شرق أوسط كبير أو جديد فانهم بإراقة الدم العراقي وتقسيم العراق الى اقاليم ثلاثة كردية وشيعية وسنية يريدون ان يحققوا حلمهم الشيطاني بإقامة الشرق الاوسط الجديد والذي اسموا خارطته (خارطة حدود الدم) وكما ذكرت ذلك مجلة القوات المسلحة الامريكية.
نعود الى دفتر قراءة مروان ونأخذ حرف الالف الحرف الثاني في كلمة دار.. دار العراقيين المنكوبة بالاحتلال وأذناب الاحتلال وحكومة تعمها الفوضى وبلد يسير نحو المجهول فماذا يعني حرف (الألف)؟ انه يعني آهات العراقيين آه من الاحتلال ومن زمن الاحتلال آه من جنود الاحتلال الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد آه ثم آه من حكومات الاحتلال التي لا تقوى حتى على حماية نفسها فهي متقوقعة داخل المنطقة الخضراء تاركة ابناء الشعب لمصير مجهول.
آلام العراقيين : آلام من انقطاع التيار الكهربائي وعدم حلحلة مشكلة انقطاع الكهرباء وآلام العراقيين من عدم توفر النفط الابيض والغاز والبنزين وآلام العراقيين من عدم استتباب الأمن وآلام العراقيين من العوارض الكونكريتية والاسلاك الشائكة التي تملأ شوارعنا وتضيق على مواطنينا وآلام العراقيين من هجرة الاطباء والمهندسين والاكاديميين والاساتذة الجامعيين وأصحاب الكفاءات العلمية وحتى مشايخ المساجد الى خارج العراق خوفاً على حياتهم من سلطات الاحتلال ومن عصابات الحكومة ومن الخاطفين والسراق واللصوص.
وحرف الالف يعني أعداء امريكا قد ازدادوا بدخول أمريكا للعراق فقد ذكرت صحيفتا نيويورك تايمز وواشطن بوست فقرات مهمة لتقرير أعدته 16 هيئة استخباراتية في وكالة الاستخبارات الامريكية حول الحرب على الارهاب وخلاصته ان حرب العراق زادت من التطرف الاسلامي وظهور المجاهدين الاسلاميين. وتقول ان لكل فعل رد فعل وهذا أمر طبيعي اذ ينهض المسلمون للدفاع عن بلد مسلم تعرض للاحتلال بعد أن حشد الاحتلال تحالفاً كبيراً اضافة الى انحياز أمريكا للكيان الصهيوني وان حربها في العراق جاءت لتأمين حدوده وقلع القوة العربية التي كانت تهدد الكيان الصهيوني وأمنه واستقراره.
وحرف (الالف) في دفتر مروان يعني الانبار وما أدراك ما الانبار هذه المحافظة العراقية التي عجز المحتل الامريكي على اخضاعها وأعلن المسؤولون الامريكيون انها خرجت من سيطرتهم وسيطرة الحكومة. ان اكثر خسائر الجيش الامريكي في المعدات والجنود والآليات هي في الانبار لقد أصبحت الانبار تؤرق وترهق قيادة الاحتلال، فالمقاومة العراقية بدأت وانطلقت من الانبار وما زالت مستمرة، ان امريكا اليوم في العراق تعيش وضعاً مأساوياً كارثياً فعلى الرغم من عشرات المليارات التي ينفقونها على ادارة حربهم الفاشلة فإنهم لم يحققوا ما يريدون ومضى على احتلالهم العراق أكثر من ثلاث سنوات وهم لم يستطيعون السيطرة على محافظة عراقية كالانبار فضلاً عن عجزهم على السيطرة على العراق على الرغم من امكاناتهم العسكرية الهائلة والدعم المادي اللامحدود.
لقد تورط الامريكان في المستنقع العراقي فلا يكادون يرفعون رجلاً حتى تغوص الرجل الاخرى فجيشهم يستنزف وعشرات المليارات تستنزف ولا طائل من حربهم هذه الا المكابرة ويظنون ان انتصار المقاومة العراقية والمسلحين يدفع الى زيادة المحاربين لامريكا في بلدان اخرى ولهذا فهم على الرغم من الخسائر المريرة يصرون على مواصلة حربهم في العراق (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
وحرف (الالف) الذي رسمه مروان في دفتره يعني ايضاً آلام قوات الاحتلال الانكلو - أمريكي في العراق فهو في مأزق كبير لا يعرف الخروج منه، مأزق سياسي وعسكري فالعراق سبب آلاماً للسياسيين والعسكريين لدول الاحتلال الانكلو - أمريكي فبوش وبلير يواجهان انتقادات لاذعة بسبب فشلهم في الحرب على الارهاب كما يقولون وصدق الله العظيم (ان تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) اضافة الى آلام الجنود وعوائلهم والخوف على مصير ابنائهم في هذه الحرب غير المبررة وغير القانونية.
وحرف (الالف) يعني ايضاً:
أقاليم انفصال إنزال العلم العراقي:
تتصاعد الدعوة الى تكوين اقاليم بين فترة واخرى على اساس عرقي وطائفي بين بعض الاحزاب السياسية بدعوى المظلومية من النظام السابق وعدم الاستفادة من الموارد النفطية ايام الدكتاتورية وان الفدرالية نظام اداري وتنظيمي وانها مطلب شعبي لا مطلب أحزابهم(يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) فالذي نعرفه جيداً انهم يسعون لاقامة دويلات داخل جسم الدولة العراقية الواحدة والاستقلال في الادارة والتنظيم وهذا ما حدث فعلاً في شمال العراق من استقلال اداري وتنظيمي عن الدولة المركزية في بغداد وحتى وصل الامر الى التطاول على العلم العراقي وإنزاله من محافظاتنا الشمالية في كردستان وكأن كردستان العراق دولة مستقلة عن العراق وهذا ما يسعى اليه دعاة الاقاليم، والفدرالية هي تكوين دولاً داخل الدولة العراقية وهذا ما يلتقي مع المشروع الامريكي في اقامة الشرق الاوسط الكبير أو الجديد المتضمن تقسيم وتجزئة المجزأ والذي يعتبر سايكس بيكو جديد للمنطقة العربية ودول الجوار الاسلامية.
نأتي اخيراً الى الحرف الاخير من كلمة(دار) التي كتبها مروان وهو الراء ويعني:
رامسفيلد: انه وزير حرب الاحتلال الامريكي وقائد ماكنتهم الحربية التدميرية التي احتلت العراق ودمرت بناه التحتية والخدمية والعسكرية والاقتصادية والعملية واليو أس آرمي في طوع أوامره فقد صرح (ان احتلال العراق هو خط الشروع الاول في عملية احداث تغييرات جذرية شاملة في منطقة الشرق الاوسط). وهذا مصداق ما ذكرته آنفاً في اقامة شرق أوسط الكبير أو الجديد على أنقاض الحروب التي يشنها اليو أس آرمي.
وحرف الراء يعني لي رمضان:
هذا الشهر الكريم شهر القرآن شهر فيه حدث يوم الفرقان يوم انتصار الحق على الباطل انتصار التوحيد على الشرك انتصار الاسلام على الجاهلية الكافرة جاهلية الصنم والوثن والخرافة والوهم ونحن في العراق الجريح المبتلى بالاحتلال وبالباطل ما أحوجنا ان نستلهم من معركة بدر الكبرى (17 رمضان) الدروس والعبر بعد ان كان المسلمون قلة وضعافاً فأمدهم الله سبحانه وتعالى بملائكته ونصرهم نصراً عزيزاً كسر به انف الشرك والمشركين بعد ان اخلصوا دينهم لله وتمسكوا بحبل الله سبحانه وتوجيهات الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فكان ثمرة ذلك الفوز والنصر والفلاح. ومن رمضان شهر العبادة نتعلم ان نكثر من الدعاء لان الدعاء هو العبادة بذاتها وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد(وقال ربكم ادعوني استجب لكم).وقال( واذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداعي اذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون). والعراقيون أحوج الناس الى ان يرفعوا ايديهم الى السماء ويدعوا الله سبحانه بقلب خاشع مطمئن بوعد الله وان الامر كله بيد الله.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ربنا مسنا الضر وأنت ارحم الراحمين ربنا اجعل بلدنا العراق آمناً مطمئناً واطفئ نار الحرب عنه وارفع برحمتك هذا الكرب عنا وادفع عنا الوباء والبلاء والغلاء ربنا هيئ لنا من امرنا رشدا وهب لنا من لدنك رحمة، ربنا ان المحتلين قد طغوا في البلاد فاكثروا فيها الفساد فصب اللهم عليهم سوط عذابك وسلط عليهم واجعل بأسهم بينهم ، وانصر الاسلام والمسلمين واخذل الكفر والكافرين والشرك والمشركين، ربنا انصر عبادك المجاهدين في العراق وافغانستان وفي فلسطين والشيشان وفي كل مكان من ارض الاسلام واهزم الامريكان والبريطانيين واليهود والروس والمجوس فانهم حادوا الله ورسوله وطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
( نار)
( كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله)
صدق الله العظيم
الكلمة الاخرى التي سيتعلمها مروان كلمة (نار) وتعني نار الحرب التي اشعلها الامريكان والبريطانيين على عراقنا عراق دار السلام فقد احتلوا الارض وأحرقوا الاخضر واليابس بنار حربهم العدوانية غير المبررة وها هم الآن يشعلون نار الفتنة الطائفية على انقاض رماد نار الاحتلال لقد اكتوى العراقيون بنار شعلة حريتهم التي جاءوا بها مع الديمقراطية المقيتة وهم يصبون الزيت على نار الفتنة الطائفية ليشعلوها حرباً أهلية بعد أن يئسوا من اخضاع البلد واركاعه واذلاله لكن ارادة الله سبحانه فوق ارادتهم والله محيط بالكافرين والله غالب على أمره.
( نور) كلمة اخرى يتعلمها مروان:
(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور).
فالعراقيون وان كانوا يعيشون في هذا النفق المظلم ظلمات بعضها فوق بعض ظلمات الاحتلال وظلمات المليشيات وفرق الموت وظلمات اللصوص والسراق وظلمات الخوف والرعب فان هنالك نوراً في نهاية النفق فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) ولن يغلب عسر يسرين ولا بد لهذا الليل الاليل الذي يلف العراق بطوله وعرضه ان ينتهي ستشرق شمس الحرية وستشع بنورها على أرجاء هذا البلد المبتلى الممتحن وسينعم ابناء هذا الشعب بالامن والامان والاستقرار والازدهار وسيعودون شعباً واحداً موحداً حراً مستقلاً تحت راية الله اكبر خيمة العراق بنجومها الخضراء الثلاث رمز الوحدة بين ابناء شعبنا العراقي سنة وشيعة عرباً وأكراداً وتركماناً
دار دور- نار – نور – الدكتور عبد الهادي الجميلي
