اضاف غزو واحتلال العراق في عام 2003 صفحة سوداء الى تاريخ الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الحافل بالحروب وافتعال الأزمات في الدول التي لا تسير في فلكها، حيث ساقت واشنطن الحجج والمزاعم الباطلة لتبرير عدوانها ضد العراق في الوقت الذي أدرك فيه الرأي العام العالمي أن تلك المزاعم مجرد مسرحية أمريكية هدفها السيطرة على نفط وخيرات هذا البلد.
وبالرغم من مرور ستة عشر عاماً على الغزو الهمجي والاحتلال الغاشم لا يزال الشعب العراقى المظلوم يعاني من نتائجه الكارثية ليس في الخسائر البشرية والاقتصادية فحسب، بل في تدمير عقول الشباب وتخليهم عن قيمهم الاجتماعية ومبادئهم الأصيلة، حيث انتشرت الكثير من الظواهر الدخيلة التي لم يعرفها العراقيون قبل الاحتلال المقيت ومن أبرزها انتشار تجارة المخدرات وتعاطيها، وانحدار القيم والاخلاق وتفسّخ السلوكيات، فضلا عن تدهور المنظومة التعليمية.
ووفقا لباحثين ومتخصصين في الشأن العراقي، فإن خطورة الغزو الأمريكي لم تكمن في تفاقم الفقر والبطالة وسوء الخدمات فقط، ولكن في اختراق منظومة التعليم، والقيم والأخلاق، والتقاليد المجتمعية التي كانت سائدة في العراق، اذ اصبح الانحلال الاخلاقي والتخلي عن القيم والمبادئ امرا شائعا بين الشباب الذين باتوا يتشبهون بالنساء ويلجؤون الى قصات شعر وملابس غريبة عن عادات وتقاليد المجتمع العراقي.
وفي هذا السياق، اكد الدكتور (صادق حسين) أستاذ التاريخ في كلية السلام، إن الذي حدث في العراق بعد عام 2003 كان مخططا له ومدروسا من قبل جهات كثيرة، بهدف تدمير بنية المجتمع العراقي وتفتيتها، وخصوصا في الجانب الأخلاقي تحت مسميات التطور والانفتاح على العالم .. لافتا الانتباه الى ان من آثار الغزو انتشار صور الفساد الأخلاقي مثل التحرش بالنساء، والتحول الجنسي، واللباس الفاحش، والمخدرات، وشرب الخمور بشكل علني، اضافة الى ارتفاع معدلات الطلاق وتدمير الروابط والأواصر المجتمعية.
بدوره، قال الباحث الاجتماعي (فرقد عبد العزيز): "ان الغزو الأمريكي تسبب في تقسيم العراق طائفيا، ما ساهم ذلك في تحطيم جميع الأواصر المشتركة بين مكونات الشعب الذي عُرف بتماسكه طيلة السنوات التي سبقت الاحتلال السافر" .. مشيرا الى ان الاحتلال وحكوماته المتعاقبة حوّلت الشاب العراقي إلى إنسان عاجز مفكك لا يملك أية أطر تُعبر عن تطلعاته وطموحاته.
وأوضح (عبد العزيز) أن الجميع كان ينظر إلى المجتمع العراقي على أنه مثقف وواع، ويتميز بالشهامة والرجولة، لكن هذه النظرة تغيرت بعد الاحتلال شيئا فشيئا وبات العراقيون يشعرون بان مجتمعهم ضعيف ويعاني من الانحلال في كافة الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية .. متهما حكومات الاحتلال المتعاقبة بتجريد المواطن العراقي من مبادئه الوطنية، وانسلاخه عن دولته ومجتمعه.
الى ذلك، تسبب الغزو الامريكي بانتشار ظاهرة لم تكن معروفة في الشارع العراقي، وهي تعاطي المخدرات بين طلاب المدارس والجامعات، الامر الذي ادى إلى تدني مستوي التعليم وارتفاع معدل الجريمة، اذ تفاقمت ظاهرة تعاطي المخدرات بين الشباب ووصلت الى نسب مخيفة، حيث اكدت مفوضية حقوق الإنسان في العراق في آخر إحصائية لها عن مستوى إدمان المخدرات، ان نسبة تعاطي الذكور للمخدرات بلغت (89.79%) وبواقع ستة الاف و (672) موقوفاً في مراكز الاحتجاز، فيما بلغت نسبة التعاطي للاناث (10.2%) بواقع (134) موقوفة.
وفي هذا الاطار، شهد العراق الجريح بعد الاحتلال انهيارا كاملا للمنظومة التعليمية، فبعد ان كان العراق منارة للعلم وقبلة للدارسين، اصبح بلد الامية والجهل، لا سيما بعد التدهور الكبير في قطاع التربية والتعليم، ونتيجة لاستشراء آفة الفساد الاداري والمالي والاهمال الحكومي لهذا القطاع، اختفى اسم العراق من قائمة الدول التي تقدّم تعليما جيدا أو مقبولا لأبنائها، جيث حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) من ازدياد تدهور التعليم في العراق .. مؤكدة ان (90%) من الأطفال العراقيين لا يستطيعون الوصول إلى التعليم، وان النقص في اعداد المدارس في البلاد وصل الى اكثر من سبعة آلاف و (500) مدرسة.
الجدير بالذكر ان المسؤولين في حكومات الاحتلال المتعاقبة ـ الذين ما زالوا يتشدقون زورا وبهتانا بالحرية والديمقراطية وحماية حقوق الانسان العراقي ـ لم يحققوا أيا من الوعود التي قطعوها للشعب العراقي بعد عام 2003، ومنها تحقيق العدل والمساواة، وتوفير الخدمات الاساسية، وتحسين مستويات المعيشة، اذ لا يزال العراق يحتل مراكز الصدارة في قوائم أسوأ دول العالم من حيث الفوضى وعدم الاستقرار، واستشراء الفساد الإداري والمالي والأخلاقي، وانتشار الجريمة المنظمة.
وكالات + الهيئة نت
م
