هيئة علماء المسلمين في العراق

أميركا والعراق: «النصر النفطي» هو هدف الحرب!.. هدى الحسيني
أميركا والعراق: «النصر النفطي» هو هدف الحرب!.. هدى الحسيني أميركا والعراق: «النصر النفطي» هو هدف الحرب!.. هدى الحسيني

أميركا والعراق: «النصر النفطي» هو هدف الحرب!.. هدى الحسيني

«اتهم» الرئيس جورج دبليو بوش، وهو يقوم بدوره في حملة انتخابات الكونغرس (ستجري الاسبوع المقبل)، اتهم الديموقراطيين بأنهم اذا ما فازوا، فإنهم سيسحبون القوات الأميركية من العراق، بينما هو لا يؤمن بـ«الهرب» وسوف «ننتصر». مع تفاقم الاوضاع سوءاً خلال شهر رمضان، وسقوط مائة ضحية عراقية يومياً، وتجاوز الرقم المائة للضحايا الاميركيين خلال شهر تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، احتارت الادارة الاميركية في ايجاد وصف لموقفها في العراق. وانتقلت مؤخراً من هدف «نشر الديموقراطية» الى «المرونة» في تحقيق الاهداف مع اصرارها على أن لا حرب أهلية دائرة هناك.

لكن لحظة الحقيقة وصلت، وصار الشعب الأميركي يعرف أن الحرب في العراق لا يمكن كسبها، وأن ما تردده الإدارة من ان «القوات الاميركية» سوف تنسحب عندما تصبح «القوات العراقية» جاهزة لتسلم المسؤولية، ليس اكثر من عبارات جوفاء لا يمكن ان تتحقق، ويعرف الأميركيون ايضاً ان مختلف الفرقاء العراقيين يستهدفون القوات الأميركية، وان الحرب الأهلية دائرة ويتخللها ايضاً صراع شيعي داخلي.

وكان بناء على نصيحة جورج بوش الأب وبعض الملتزمين الحكماء بالحزب الجمهوري، ان دخل وزير الخارجية الاميركي السابق البراغماتي جيمس بيكر، واقترح بعد زيارات متعددة الى بغداد، ايجاد بدائل متعددة توفر الانسحاب التدريجي الا ان الرئيس على ما يبدو، يرفض. فالقبول بمثل هذه الاقتراحات يعني انه انهزم في العراق، وكيف ينهزم وفي اعتقاده انه يحارب الاشرار.

عندما اشتدت الضغوط على بوش، كان من المفترض ان يلتقي كبار القادة العسكريين وسفيره الى بغداد زلماي خليل زاد للبحث في «استراتيجية» جديدة. لكن عاد البيت الأبيض ليقول ان الرئيس لا يبحث عن استراتيجية جديدة، بل يناقش «تكتيكات» جديدة مع مساعديه، بمعنى أن عبارة «استراتيجية جديدة» هي اعتراف بالهزيمة. ثم استقر الرأي على كلمة «المرونة» كتكتيك جديد. وشرح الناطق الصحفي في البيت الابيض طوني سنو هذا التكتيك بقوله: «ان الادارة مرنة في طريقة تحقيقها الهدف في جعل العراق يحكم نفسه بنفسه، واطفاء الصراع الطائفي». واضاف المستشار المساعد في البيت الابيض دان بارتلت تفسيراً آخر للمرونة بقوله: «استراتيجيا نعتقد بأنه من المهم البقاء في العراق وتحقيق النصر». وفي مذكرة وزعها البيت الأبيض، جاء شرح: تحقيق النصر، اي مساعدة العراقيين على تحقيق الاستقرار والأمن، وتوفير هذه المساعدة بسرعة وفعالية من اجل سحب قواتنا واعادة ابنائنا الى هنا».

الاكثر «تصميماً» على «الانتصار» في العراق هو نائب الرئيس ديك تشيني، وفي حديث مع مجلة «تايم» الاميركية في عددها الاخير، عندما سئل عن توفير جيمس بيكر استراتيجية خروج من العراق اجاب تشيني: «اعرف بما يفكر الرئيس، واعرف بما افكر. اننا لا نبحث عن استراتيجية خروج اننا نبحث عن نصر (...) ان استراتيجيتنا لم تتغير، انما تكتيكاتنا تتغير بين وقت وآخر».

ويقول مصدر غربي، ان كل هذه التصريحات المتناقضة احياناً والمرتبكة احياناً اخرى، وكل الدمار الذي لحق بالعراق الذي يتم تدميره منذ 15 عاماً من دون توقف، وكل الضحايا الذين سقطوا والذين سيسقطون لاحقاً، كل هذه الوقائع المأساوية ليست اكثر من تفاصيل صغيرة في نظر ادارة بوش مقارنة بالصورة الكبرى، التي هي التحكم في النفط، وكان يجب على الادارة ان تقول انها تبحث عن «تحالف التنقيب» وليس عن «تحالف الارادات».

النفط العراقي، عليه يتقاتل العراقيون الآن، وفوقهم تخيم الخطط الاميركية. واخيراً تبادلت الحكومة العراقية والمسؤولون الاكراد اتهامات حادة بسبب التنافس في ما بينهم من اجل السيطرة على حقول نفط الشمال العراقي، ومن المتوقع ان يزداد التوتر بين الطرفين عندما تقدم حكومة اقليم كردستان التي تدير شؤون اربيل، والسليمانية ودهوك ميزانية النفط الى البرلمان الاقليمي الذي سيصر على حق حكومته بعائدات نفط الشمال العراقي. وكانت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس طلبت من القادة الاكراد خلال زيارتها الاخيرة ان يقدموا تنازلات الى بغداد في ما يتعلق بتوزيع عائدات النفط، هم وافقوا على تقديم حصة غير محددة من العائدات، انما رفضوا جعل آبار النفط تابعة لسيطرة وزارة النفط العراقية على اساس: «ان الدستور العراقي يمنح حكومة كردستان الحق في استثمار الثروة النفطية في منطقتها، فهذا جزء من النظام الفيديرالي الذي يسمح للأقاليم بحكم انفسها والتحكم في عائداتها». ويتهم القادة الاكراد النظام في بغداد بأنه يستعمل عائدات النفط لشراء السلاح وتدمير البلاد.

وكانت الخلافات بدأت عندما اعلنت حكومة كردستان في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي عن اكتشاف شركة نرويجية للنفط شمال مدينة زاخو، الامر الذي دفع وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني لاحقاَ الى الاعلان عن ان وزارته ليست ملتزمة باحترام عقود جرى توقيعها في الماضي من قبل مسؤولين في حكومة كردستان.

ويُذكر ان الحكومة الكردية، وقعت خلال السنوات الثلاث الماضية منذ الغزو الاميركي للعراق، ثلاثة عقود للانتاج المشترك مع شركتين تركيتين وشركة أخرى كندية.

ويعود الخلاف حول ادارة حقول النفط وتوزيع عائداتها الى الغموض في عبارات بنود الدستور الوطني، فهو يمنح ملكية النفط وعائداته مع الغاز الى الشعب العراقي، لكنه يقول، ان الحكومة الفيديرالية والحكومات المحلية «ستقوم بادارة واستخراج النفط والغاز من الحقول الحالية». «الحقول الحالية»، فسرها الاكراد بالحقول التي تنتج النفط، ولا تشمل الحقول الجديدة التي يريدون ان تكون عائداتها لهم.

حكومة بغداد تتخوف من ان يؤدي تحكم الاكراد في ثروة نفط شمال العراق الى تحدي نفوذها، اما العرب السنّة فإنهم يتخوفون من ان يلحق الشيعة في الجنوب بالاكراد في الشمال، فيسيطرون بدورهم على عائدات ثروة الجنوب النفطية ويبقى وسط العراق ارضاً جدباء.

وأعود الى المصدر الغربي الذي يقول: «ان مستقبل العراق الحقيقي سيتقرر في شهر كانون الاول (ديسمبر)، وسيحدده قانون نفط جديد، هو في الحقيقة برنامج «الديون مقابل النفط»، اعده وفرضه صندوق النقد الدولي، بحيث تعيد الاستثمارات مئات المليارات من اموال دافعي الضرائب الأميركيين التي صُرفت على هذه الحرب، وسيوفر هذا القانون للولايات المتحدة منفذاً رئيسياً على الطاقة وموضعاً استراتيجياً ممتازاً لترويض روسيا والصين في المستقبل القريب».

وكان وزير الطاقة الأميركي صموئيل بودمان زار بغداد خلال الصيف وأصر على ضرورة أن يمرر العراقيون قانوناً يتعلق بالهايدروكاربون بحيث يُسمح للشركات الاجنبية بالاستثمار. وزير النفط العراقي الشهرستاني اقتنع والتزم بتمرير القانون في نهاية هذا العام، كما وعد صندوق النقد الدولي.

ويقول المصدر: «انه ليس بمستغرب ان تظل الولايات المتحدة عبر سفارتها في المنطقة الخضراء، مسيطرة على وزارة النفط العراقية وعلى اهم المواقع في الوزارات الرئيسية الاخرى«، ويضيف: ان نص مسودة «قانون الهايدروكاربون» راجعه صندوق النقد الدولي، وراجعه بودمان وكبار المسؤولين في شركات النفط. لم يعرض على العراقيين ولن يعرض، بل سيُقدم الى مجلس النواب المجزأ الذي سيصادق عليه بكل تأكيد «مقابل مبالغ مالية موعودة». ويقول: «ان ادارة بوش تحتاج الى من يوّقع على هذا القانون، وهي كانت اقتنعت بأن العراق الذي لوّع الامبراطورية البريطانية يحتاج الى رجل قوي كصدام ليحكمه، لذلك، فكرت بانقلاب عسكري يطيح رئيس الوزراء نوري المالكي، لكن، يبدو ان صفقة تمت، فعاد الرئيس بوش يكيل المديح للمالكي وجاءه مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي ناقلاً اليه مديحاً مكرراً من الرئيس الاميركي».

ويشرح محدثي ما سيجري بعد شهر كانون الأول (ديسمبر) المقبل، متجاوزاً نتائج انتخابات الكونغرس هذا الشهر فيقول: «سيرمي صندوق النقد الدولي بثقل شروطه على العراق، وستفوز شركات النفط الكبرى بعقود انتاجية ضخمة، يلي ذلك انسحاب جزئي للقوات، حرب عصابات لا تهدأ، تفكيك اضافي للعراق ممهداً الطريق امام التقسيم».

بعد انتخابات الكونغرس، سيكون الفائز في العراق المفهوم الذي اقترحه جيمس بيكر «الاستقرار اولاً»، وهناك قراءة أخرى تنذر بسوء، فإذا خسر الجمهوريون الأغلبية في مجلس الشيوخ والنواب، وشعرت ادارة بوش بأنها تفقد السيطرة، عندها ستكون اكثر خطراً. ويلفت محدثي إلى قول تشيني «ان طريق الخروج الوحيدة من العراق هي النصر الكامل» وهذا برأيه، ان ادارة بوش، لم تكن ابداً مهتمة بنشر الديموقراطية في العراق او في الشرق الاوسط، بل همها الوحيد السيطرة على 112 بليون برميل من النفط الخفيف المؤكد وجوده، وعلى 220 بليون برميل احتياطي سيتم استخراجه، مع نشر قواعد عسكرية في العراق، واقامة اكبر سفارة/ قلعة لها في العالم على ضفاف نهر دجلة».

ان بغداد عانت لكنها عاشت بعد تيمورلنك وهولاكو. واذا فاز الديموقراطيون في انتخابات الكونغرس، فقد يعني ذلك ان تغييراً للسياسة وارد في واشنطن، لأن الديموقراطيين سيصرون على استراتيجية خروج، وسيشرفون على انسحاب القوات الأميركية من العراق خلال سنة. وتكون بذلك بغداد انتقمت لنفسها ولو بثمن باهظ.

الشرق الاوسط

أضف تعليق