الهيئة نت ـ عمّان| استضاف مجلس الخميس الثقافي في مقر الدكتور (مثنى حارث الضاري) الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق؛ الدكتورَ المهندس (علي المُرّ) الذي ألقى محاضرة بعنوان (الواجب المغيّب) ركز فيها على أهمية القراءة وتحصيل العلم والتزود من مصادر المعرفة الواسعة.
واستهل الدكتور المر محاضره ببيان مقاصد قوله تعالى: {اقْرَأ بِاسْمِ رَبّكَ الذي خَلَقَ . خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} مبينًا أن ميدان العلم رسمته آيات التنزيل الأول، وأرادنا الله تعالى أن نتعلمه، وأن كل ما تضمنته هاتان الآيتان، يحمل من العلم ما لا حد له، وأن الرعيل الأول من هذه الأمة أدركوا مغزى رسالة الإسلام، ففعلت فيهم "اقْرَأْ" وقصتها العجيبة، فعلًا يعجز ذو البيان عن وصفه، كما يكل البنان عن تسطير عجائب ما أبدعوا من حضارة وعلوم.
وأضاف المحاضر أن كل إنسان من ذلك الرعيل كان معنيًا بالقراءة على وجه (الوجوب)، أو (فرض العين) حتى يكون الاكتفاء، فلم يعد فيهم إنسان غير عالم أو متعلم، ولذلك عمّت القراءة، وانتشرت حِلَق العلم، في كل مكان، سواء في المساجد أو البيوت أو الطرقات أو الساحات أو الأسواق أو مراكز العمل كالمصانع والمشافي والمدارس والجامعات والمخابر والوراقات، وفي الضواحي ومجالس العلماء!
وضرب الدكتور (علي المرّ) أمثلة على مصادر المعرفة وتأثيرها ونمائها في العراق؛ مستشهدًا بـ(بيت الحكمة) في بغداد الذي يعد شعلة أضاءت القلوب وبددت ظلمة الأرض؛ وغدت عاصمة الرشيد في ذلك الحين شامة في جبين الأمة والبشرية كلها، ونقل عن الإمام الشافعي رحمه الله (ت 204ه) أنه لما زار بغداد في أواخر القرن الثاني الهجري؛ وجد في مسجد واحد ـ هو مسجد المنصور ـ خمسين حلقة علم منتظمة، كما أن القاضي (حسين بن إسماعيل المحاملي ت 330ه) أنشأ في بغداد سنة (279 هـ) مجلس علم لتعليم الفقه في كل يوم أربعاء، استمر حتى القرن الخامس الهجري، بينما كان (أبو عبد الله المزرباني البغدادي ـ ت 384 ه) يخصص لأهل العلم في مجلس علمه خمسين لحافًا لمن يرغب في المبيت عنده.
ومن مآثر علماء بغداد وحرصهم على ترويج العلم، قال الدكتور المر: إن (محمد بن عمر التميمي البغدادي ـ ت 355ه) كان إذا أملى الحديث في الطريق امتلأ الطريق عن آخره، حتى ضاق على المارة، مبينًا أن هذه الحركة العلمية أثمرت في غضون عقود قليلة أفضل ثمرة عرفتها البشرية؛ وهي أمةٌ سادت العالم ليس فقط في الحكم والسياسة، ولكن في القيم والقانون، والطب، والهندسة، والصيدلة، والكيمياء، والفيزياء، والفلك، والرياضيات، والضوء، والجغرافيا، والاقتصاد... وفي كل شيء من العلوم التي ظلت علومها تدرس في أوروبا حتى القرن التاسع عشر الميلادي.
ووثقت المحاضرة أن المسلمين هم أول من أسس نظام (الحسبة) في التاريخ؛ التي لولاها ما ازدهرت حضارة، وأنهم أول من ابتكر المنهجية العلمية والتجربة في العلوم التطبيقية، وأول من وضع الأرقام التي يستخدمها العالم اليوم، وأول من اخترع الصفر والخوارزميات التي حرفها الغربيون إلى "اللوغاريتمات"، وأول من ابتكر النظام المصرفي المستخدم اليوم، المعروف بالصكوك، حيث كان الصك الذي يصدر من بغداد ـ زمن هارون الرشيد (ت193ه) ـ يُصرف في مقاطعة في الصين، ويعاد إلى بغداد لتحصيل قيمته ورصدها في حساب لصاحبه.
وشدد المحاضر على أهمية أن يستعيد المسلمون في واقعنا المعاصر تطبيق الواجب المُغيّب الذي تمليه على الأمة كلمة (إقرأ)؛ لأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صَلُحَ بها أولُها؛ وإن أول أوّلها حِلَقُ العلم ومجالس الذكر، داعيًا إلى استثمار مجلس الخميس الثقافي في هذا الصدد والذي يعد إنموذجًا جديرًا بالعناية والاهتمام.
الهيئة نت
ج
