الهيئة نت ـ إسطنبول| عقد مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية ـ راسام؛ ندوته السنوية بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لاحتلال العراق، تحت عنوان: (تداعيات ستة عشر عامًا من احتلال العراق.. الواقع وآفاق المستقبل)، بمشاركة باحثين ومحللين سياسيين عراقيين وأتراك، من بينهم الدكتور (عبد الحميد العاني) مسؤول قسم الإعلام في هيئة علماء المسلمين في العراق الذي ترأس إدارة جلسة الندوة.
واستعرض الدكتور العاني في افتتاحه الندوة؛ المشاكل الكثيرة والمعقدة التي خلّفها احتلال العراق على كافة المستويات؛ والتي ما تزال آثارها وتبعاتها مستمرة طوال ست عشرة سنة، فضلًا عن مخرجاتها السلبية على واقع ومستقبل البلاد وشعبها.
وقُرأت في الندوة أوراق بحثية؛ اهتمت الأولى منها ـ التي قدّمها الباحث والمحلل السياسي العراقي الدكتور (رافع الفلاحي) ـ بالتداعيات السياسية في العراق بعد الاحتلال وسبل التغيير المناسبة لما نتج عن هذا الاحتلال من مشاريع ولاسيما العملية السياسية التي تعد أداة التدمير الرئيسة في البلاد.
وقال الدكتور الفلاحي في مقدمة ورقته؛ إن انهيار الاتحاد السوفيتي فتح الطريق للولايات المتحدة الأمريكية للهيمنة بشكل انفرادي على العالم، مشيرًا إلى أن (بوش الأب) عمّم فكرة النظام الدولي الجديد وهي في مختصرها سيطرة أمريكا على العالم، حيث بدأ التمهيد للاحتلال والسيطرة على بعض الدول عندما وُضع مصطلح (الدول المارقة) وصُنّف العراق منها.
وأشار الدكتور (رافع الفلاحي) إلى أن النظام العراقي ارتكب خطأ كبيرًا في تسعينيات القرن الماضي عند دخوله الكويت، لاسيما وأنه حديث عهد بحرب مدتها ثماني نوات مع إيران، لافتًا إلى أن دخول الكويت تعد لحظة فارقة بالنسبة للعراق والمنطقة وخاصة في ظل وجود (الولايات المتحدة) التي تسعى للسيطرة على العالم، ومن هنا كانت حرب التسعين هي تمهيد للاحتلال الأمريكي الكامل للعراق.
وأكّد الباحث في هذا السياق على أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من وضعت أسس العملية السياسية الحالية في العراق، ولولا ذلك؛ لاعتبرت الحكومات التي تعاقبت فيها فاشلة، حيث بدأت واشنطن بتجميع الشخصيات السياسية لتشكيل الحكومة، بعد تلاعبها بالتعداد السكاني وقوميات ومذاهب العراق بإيراد إحصائيات غير دقيقة تعتمد على الأحزاب التي مكّنتها من مسك مقاليد العملية السياسية التي ما يزال العمل في توزيع المقاعد والمناصب يتم وفق تلك الاحصائيات غير الصحيحة.

وبيّن الدكتور الفلاحي أن العراق بات بلدًا فوضويًا نتيجة الاحتلال الذي ولّد الكثير من المآسي كانتشار القتل، والتهجير، والاعتقالات، والفساد والخروج الكامل عن السيطرة ولاسيما بعد سنة 2006، مشيرًا إلى أن الفرصة الوحيدة للخلاص من الوضع الحالي المتدهور في البلاد، هي في الحراك الشعبي فقط.
وعن التحولات العسكرية والأمنية في العراق بعد احتلاله؛ أكّد الباحث في مركز (راسام) والمتخصص بالشأن العسكري والأمني (حاتم عبد الكريم)؛ أن الحرب الأمريكية على العراق بدأت بمعزل عن موافقة دولية، وأن الولايات المتحدة جمّعت الميليشيات الطائفية وأعلنت عنها كجيش بديل عن الجيش العراقي، قبل ان تتوالى قرارات حاكم الاحتلال (بول بريمر) في محاولة تأسيس نواة لجيش جديد.
وقال الباحث في ورقته التي تناولت الجوانب العسكرية والأمنية في ظل الاحتلال: إن المقاومة العراقية أجبرت جيش الاحتلال الأمريكي على فقدان السيطرة على العديد من المناطق، وحينما أدركت أمريكا أنها غير قادرة على السيطرة على المناطق المشتعلة بالمقاومة؛ خططت لتدبير تفجيرات سامراء وبمعاونة ايرانية سنة 2006، الأمر الذي سرّع من وتيرة عمل الميليشيات التي أخذت تحرق المساجد وتعيث في البلاد الدمار والفساد.
واهتمت ورقة الباحث (حاتم عبد الكريم) بتسليط الضوء على مشروع الاحتلال الأمريكي الثاني للقضاء على المقاومة والمتمثل بـ(الصحوات) ودوره في زيادة توتر الأوضاع الأمنية والعسكرية في العراق، والمآلات التي انتهت إليها العديد من المحافظات بسبب ذلك، وهو مما مهد لإدارة أوباما لاحقًا للحديث والترويج لموضوع (الانسحاب) من العراق.

ولفت الباحث إلى أن الانسحاب الأمريكي يعد بمثابة الهروب من المأزق العراقي، لاسيما وأن الاحتلال سلّم الملف الأمني لحكومة نوري لمالكي والقوات التابعة له، وحيث لم تكن تلك القوات ـ التي تتميز بتوجهها الطائفي ـ جاهزة عسكريًا واستراتيجيًا لمسك الملف والسيطرة على الأوضاع؛ تردى الوضع الأمني أكثر مما هو عليه من حالة الانهيار والفوضى.
وشهدت الندوة ورقة بحثية ثالثة قدّمها الباحث السياسي التركي والأستاذ في جامعة ابن خلدون الدكتور (برهان كور أوغلو) وتناولت موضوع احتلال العراق وتأثيره في المحيط الإقليمي والخيارات الاستراتيجية العربية، مسلطًا الأضواء على الأدوار العربية، والتركية، والإيرانية في الملف العراقي وحجم كل منها ومديات تأثيرها.
واختتم الدكتور (عبد الحميد العاني) ندوة مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية بالقول: إن العراق يفتقر لأبسط الحقوق، ولا وجود فيه لتعليم منضبط، ولا صحة ولا أمن ولا اقتصاد، مبينًا أن من أبزر ما يُرصد في المشهد العراقي: انتهاكات حقوق الإنسان التي مورست منذ الاحتلال وحتى الآن، وتدمير المدن، والنزوح الجماعي الداخلي والخارجي ـ حيث لا يُسمح للأهالي بالرجوع إلى مناطقهم بالرغم من انتهاء المعارك ـ والاعتقالات الجماعية والعشوائية بمحاكمات سريعة يساق فيها الآلاف إلى الإعدام.
الهيئة نت
ج
