هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق مأساة القرنين مسؤولية من؟ - عبد الرحمان المرساني
العراق مأساة القرنين مسؤولية من؟ - عبد الرحمان المرساني العراق مأساة القرنين مسؤولية من؟ - عبد الرحمان المرساني

العراق مأساة القرنين مسؤولية من؟ - عبد الرحمان المرساني

لا يمكن وصف ما يتعرض له الشعب العراقي يوميا من تقتيل وتشريد وابادة باتت منظمة علي أيدي ما يعرف بقوات التحالف التي أضحت تتخبط في المستنقع العراقي الذي حسبته الولايات المتحدة الأمريكية بعد تدخلها السافر أنه سيكون واحة للديمقراطية ونموذجا يحتذي به لبلدان المنطقة، وقد خيبت كل الوقائع ما طمحت له الادارة الأمريكية أمام ضربات المقاومة، فبعد ان أسقط النظام الذي كان يوصف بالديكتاتورية والقمع دخل العراق مرحلة الفوضي الشاملة الكل يقتل الكل، كما عملت القوات الأمريكية علي لعب ورقة الطائفية فمكنت الشيعة من أهم المناصب السيادية وفي تشكيل الحكومة وعضوية البرلمان واستثنت من ذلك السنة بغية دخول العراق في حرب أهلية تستعر نارها لتأكل الأخضر واليابس فلا تبقي ولا تذر وتذهب فيها رقاب عديدة ذنبها الوحيد أنها عراقية الهوية والمنشأ والكيان. وعلي هذا الأساس يمكن ان نعتبر ان العراق هو مأساة القرنين العشرين والواحد والعشرين وهذا ليس من باب المبالغة والتشهير بل هو الحقيقة في أجل مظاهرها، الحقيقة المرة التي تفيد بأن ما يعانيه الشعب العراقي اليوم لا يقارن بتاتا بفترة حكم صدام رغم ما قيل عنها من أوصاف ونعوت باتت في ذمة التاريخ، فصدام قد يكون صفي العديد من خصومه بتعلة المحافظة علي استقرار النظام وسجن العديدين وعذب الكثيرين ولكن ذلك لا يقارن بما عاناه ويعانيه العراقيون في سجن أبو غريب وفي مخافر الشرطة وما يقترفه مغاوير الداخلية من اعتداء علي الأبرياء وتصفيات طالت عائلات بأكملها.
لقد فقد العراقيون الأمن وفقدوا معه الوطن والاستقرار، وهذه ليست مبالغة بل هي حقيقة أكدتها الارقام.
فآخر دراسة يمكن اعتمادها للتدليل علي مأساة العراقيين نشرتها صحيفة ذي لانسيت الطبية البريطانية يوم الخميس 13 تشرين الاول (أكتوبر) 2006 وقد أجراها أطباء من جامعة (جون هوبكينز) وكلية الطب من جامعة هوبكينز في بغداد بالتعاون مع معهد (ماساشوسيتس) للتكنولوجيا، حيث أكد العديد من الخبراء في هذه المؤسسات الصحية لا سيما الصحة العامة ان عدد المدنيين العراقيين الذين لقوا حتفهم في العراق ما بين شهر اذار (مارس) 2003 وشهر تموز (يوليو) 2006 يقدر بحوالي 655 ألف قتيل أي 2.5% من مجموع السكان العراقيين والذين يبلغ عددهم 27 مليون نسمة. ووفق هذه الدراسة فان 31% من هؤلاء القتلي قتلوا علي أيدي ما يعرف بقوات التحالف وأغلبهم من المدنيين العزل. ووفق نفس الدراسة بلغ معدل الوفيات في العراق 5.5 من كل ألف نسمة قبل الاحتلال الي 13.3 لكل ألف خلال فترة الاحتلال، وأضاف معدو الدراسة أنه بمقارنة مدة النزاع بالنسبة الي عدد السكان الذين تضرروا خلاله في العراق يجعل من هذه الحرب من أكثر النزاعات دموية وسقوطا للضحايا في القرنين العشرين والواحد والعشرين وهو ما يدلل علي ان العراق أصبح فيتنام جديدة. وقد أكدت تقارير أخري قبل ذلك ان 100 عراقي يقتلون وألفا آخرين يهجرون يوميا من ديارهم وتشير الاحصائيات الي ان عدد العراقيين الذين يتجهون نحو الأردن كلاجئين بلغ في الشهر الماضي (ايلول ـ سبتمبر 2006) مليونين و200 ألف أغلبهم من محافظات ومناطق سنية، فعلي سبيل الذكر لا الحصر فان البصرة سجلت معدلا مرتفعا في تهجير السنة العرب حيث غادرها 90 ألف نسمة أدرجت أسماؤهم مع عناوينهم ودورهم ومناطقهم ضمن سجلات الوقف السني، اضافة الي أهالي بعقوبة والمقدادية والخالص ونواحي بهرز وجلولاء والسعدية ومنصورية الجبل وخان بني سعد، الذين هدمت بيوتهم وتم تفجيرها أمام أعينهم وقد قدرت المنازل المهدومة في هذه المناطق بأكثر من 700 منزل والنسبة قابلة للارتفاع نتيجة استمرار أعمال العنف والتدخلات العشوائية لقوات التحالف والقوات العراقية التي لا ترحم شيخا أو امرأة أو صبيا صغيرا، اضافة الي ضحايا التفجيرات المتكررة والسيارات المفخخة التي باتت الخبز اليومي للعراقيين والغرض من هذه الأعمال تأجيج نار الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة.
انها المأساة في أجل مظاهرها، مأساة بحجم هذا الوطن المعذب ولا أحد يجرؤ علي رفع صوته للتدخل لايقاف هذا النزيف.
ببساطة لأن دماء العراقيين في فكر القيمين علي الادارة الأمريكية من المحافظين الجدد هي دماء رخيصة وكذا دماء العرب في فلسطين ولبنان وفي سواهما من المناطق من المحيط الي الخليج، هكذا يقع التلاعب بمصير شعب ووطن فتمرر تدريجيا خطط التقسيم تحت غطاء الفدرالية بعد ان أعلن الأكراد رغبتهم الضمنية في الاستقلال والتي من مؤشراتها تنحية علم العراق واستبداله بعلم كردستان وفي ذلك أكثر من معني، كلها اشارات تدل علي ان حل أزمة العراق ما زالت تتطلب الكثير من الوقت والكثير من الصبر حتي يفهم الشيعة والسنة أنهم أبناء دين واحد وأن مصيرهم واحد وأن الدين لله والوطن للجميع وأن المحتل يتربص بهم ويستغل اختلافاتهم المذهبية للايقاع بهم ويشعلها حربا أهلية عندما تستعر أوارها لا يمكن السيطرة عليها أو احتواؤها الا اذا ما حصدت أرواحا كثيرة ويشرد جراءها أعداد متزايدة من العائلات وتهدم منازل...
ان مشاهد الموت التي تطالعنا بها الفضائيات يوميا وعلي مدار الساعة تطلعنا بما لا يدع مجالا للشك علي فظاعة الاحتلال واخلاله بأمن المواطن العراقي فماذا سيحصل لو ان مثل هذه الأعداد من القتلي والمشردين والمهجرين حصل في الولايات المتحدة الأمريكية أو في أي بلد آخر؟
ستقام الدنيا والكل سيستنكر ويبادر، كلنا يتذكر ما وقع بعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001 وكيف هب العالم بأسره لنصرة الولايات المتحدة في مصابها الجلل والتنديد غير المشروط بهذا العمل فهل ان الدم العربي أصبح رخيصا ومستباحا الي هذه الدرجة؟
وماذا كان سيحصل لو ان المآسي والفظاعات التي ترتكبها القوات الأمريكية في العراق ارتكبها أي نظام آخر صنف ضمن محور الشر وبات من المغضوب عليهم من طرف الادارة الأمريكية وحلفائها؟
الأكيد أنه ستحشد له الحشود العسكرية وتقام له التحالفات لاسقاطه بعد فرض عقوبات مجحفة عليه من قبل مجلس الأمن. ان ما يحدث اليوم بدارفور من أرض السودان لهو دليل قاطع علي سياسة الكيل بمكيالين التي تعتمدها الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها البلدان الأوروبية، فحقوق الانسان في هذا الاقليم يجب ان تصان ويجب علي الحكومة السودانية ان تخضع للاملاءات الغربية أما حقوق الانسان في العراق وفلسطين ولبنان فهي مسألة ثانية تماما تتداخل فيها مصالح أمريكا في المنطقة بأمن اسرائيل، وأمام هذين الهدفين الاستراتيجيين لا يهم ان أبيدت مدن أو سحق أطفال وعذب شيوخ أو هدمت منازل ما دام الهدف هو اعادة تشكيل المنطقة من جديد ونشر الديمقراطية في صفوف من نعتوا بالهمجيين من العرب والمسلمين . انها الفوضي الخلاقة كما وصفتها وزيرة الخارجية الأمريكية بمعني ان يموت الآلاف وتشرد عائلات وتنتهك حرمات في سبيل نشر ديمقراطية زائفة تنصب من خلالها الادارة الأمريكية حكومات شبيهة بالدمي التي تتحرك ضمن مسرح ضيق ولا تكتسب أي مشروعية تجعلها مرجعا للجميع، فتكون السلطة هكذا حكرا علي عصابات المال ومافيا المصالح والفساد.
ان الدعاية الاستعمارية تبرز ما تريد وتخفي ما تريد وفق ما يخدم مصالحها، لذا فلا يختلف اثنان في ان المأساة العراقية هي كارثة العصر بكل المقاييس، ورغم كل ذلك لا تجد من يناقشها أو يطرح الحلول الناجعة للخروج منها فالمجتمع الدولي مهتم هذه الأيام بالملف النووي الايراني وبالقنبلة النووية التي توصلت كوريا الشمالية الي صنعها وبالأحداث الجارية في دارفور وضمان أمن اسرائيل الدائم في الجهة الشمالية، من خلال التخطيط لنزع سلاح حزب الله وتصفية المقاومة الفلسطينية عبر اسقاط حكومة حماس ودعم الحكومات (المعتدلة) في الشرق الأوسط وانتخاب الأمين العام للأمم المتحدة.
أما أنهر الدم التي لا تتوقف عن السيلان في العراق وفي فلسطين فلا أحد يضعها ضمن أولويات جداول الأعمال الدولية لأن القوي الامبريالية وعبر ترسانتها الاعلامية الدعائية رسخت في العقول فكرة ان الدم العربي والمسلم ليست له أي قيمة علي الاطلاق وبالتالي فهو مباح علي عكس دماء الأجناس الأخري المصانة.
لذا لا بد من تحرك كل القـــــوي الفاعلة والضـــــمائر الحية المؤمنة بحقوق الانسان مهما كان انتماؤها العرقي أو الديني أو الاثني لوضع حد للنزيف العراقي، وهي في رأيي مهمة كل القوي المناهضة للاستعمار والامبريالية.

كاتب من تونس
القدس العربي

أضف تعليق