رثاء من موسكو
حين التقيناه في العاصمة الروسية ، ربيع العام الماضي ، كانت قائمة الاكاديميين المغالين في عراقنا تقترب من الرقم مئة وسبعين . وكان المرحوم ، بتواضعه الجم ، يحمل قائمة الموت في حقيبة علاها التعب ، مضيفة على هيئته الرصينة ، تواضعا فوق تواضع العالم المهموم بمحنة شعيه ، وورعا ، يجبرنا نحن العلمانيين على الانحناء امام قوة ايمانه ، وعشقه للشهادة من اجل كلمة حق ، تخيف الاحتلال ، وعملاءه ، وفرق الموت ، واجهزة المخابرات التي تجد في علماء العراق واكاديميه هدفا سهلا ، فيما تنفق حكومات الاحتلال المتعاقبة الملايين على توفير الحراسات لوزرائها وموظفيها وعلى رئاساتها مثلثة الاثافي ، المختبئين خلف ترسانات المنطقة الخضراء ، بحماية جنود الاحتلال ، وكلابهم ، مذعورين بلا كرامة .
لكن عالما ، مثل الدكتور عصام كاظم الراوي ، لم يهرب من بغداد ، ورفض مرافقة الحراس ، واثر البقاء في الوطن المحتل ، رغم التهديدات ، وتزايد اعداد الاكاديميين والمدرسين والعلماء الذين يتساقطون مثل اوراق الخريف في الوطن المستباح . وكان يحدثنا بصوته الخفيض وعباراته المفعمة بايات الكتاب الكريم ، عن المصير الذي يواجه علماء العراق . وروى تفاصيل عن عمليات الاغتيال الذي ذهب ضحيتها المئات ، ليس لانه يتراس رابطة الاساتذة الجامعيين ، فحسب ، بل لانه كعالم يرى في تصفية علماء ومثقفي العراق ، الحلقة الاخطر، في المؤامرة الكبرى على بلادنا والتي بدات فصولها منذ الحصار ، وتواصلت مع الغزو ، فالاحتلال ، الى حمامات الدم والقتل والتهجير والخطف ، وافراغ العراق من النخبة المثقفة لحساب تحالف الانحاط والرذيلة بين الاحتلال والاحزاب الفاشية والجماعات السياسية والمراجع الدينية العميلة التي لم يشا الدكتور عصام الراوي التحدث عنها لانه كان معنيا بالحديث معنا عن القوى السياسية والمراجع الدينية الوطنية المناهضة للاحتلال وعملائه .
كانت زيارته الاولى ، الى موسكو ، ضمن وفد هيئة علماء المسلمين برئاسة الشيخ الجليل حارث الضاري ، لكن المرحوم عصام كان يعرف الكثير عن تطور العلوم في روسيا ، ولانه عالم جيولوجي ، فقد كان مهتما بهذا الحقل ، ووجد رغم ازدحام احاديثنا بالملفات السياسية ، وهموم اهلنا في الوطن ، مساحة للسؤال عن المعاهد الروسية العلمية ، والمكتبات ومراكز الابحاث . ومثلما كان متواضعا في اصغائه ، كان عذبا وشفافا في اسئلته . وتحمل بصبر العالم المؤمن ، انتقادات بعضنا لدور المؤسسة الدينية ، في المشهد السياسي العراقي ، وكان الشيخ حارث الضاري " حليفا " لعصام الراوي حين اختلفنا حول دور الدين والعبادة في تربية المجتمع ، و" حليفنا " بان للدين دور تربوي يقوم على قاعدة النصيحة والنهي عن المنكر والامر بالمعروف ، بعيدا عن دهاليز واروقة السياسة ، والدولة المدنية . وشعرنا ان الشيخين الجليلين ، الضاري والراوي اذ يجمعان بين الروح الاكاديمية ، والايمان العميق ، المنزه عن المصالح ، بالله وانبيائه ، ورسله فانهما لايبحثان عن مجد سياسي او منصب دنيوي .
هزنا في المرحوم ، قدرته على كظم الغيض . فحين تحدث الشيخ الضاري عن محنة الراوي في سجون صدام حسين ، منتظرا تنفيذ حكم الاعدام ، لم يتبجح بانه من " ضحايا النظام المخلوع " الورقة التي حولها البعض الى مادة للابتزاز ، وحصد المناصب ، وتكديس الاموال ، والتعالي على الاخرين ، بل واضطهاد اهلنا البسطاء الذين يتعين عليهم دفع " الاتاوات " لمن كان ولو ليوم واحد في سجون الدكتاتورية . لكن العالم الجليل عصام كاظم الراوي ، لم يتاجر بمحنته في زنزانة الاعدام ، ولم يشا الحديث عن تلك الايام حالكة الظلام والطويلة في زنزانة الاعدام تطل عليه المشنقة ، من كوة صغيرة ، فانتصر الراوي على الخوف ، بالايمان ، وكان انذاك مستعدا للموت من اجل القضية التي كرس حياته لها ، مثلما استقبل الموت كمحارب شجاع ، منسجما مع خياره الوطني في شوارع الداوودي .
رد مازحا على سؤالنا ، لماذا لايغادر العراق ، لبعض الوقت ، لانه مهدد : ( اذا ارادوا قتلنا سيجدونا ) . وقال انه يحرص على ان لايرافقه احد من اهل بيته ، او من الاصدقاء ، والمعارف حين يخرج من منزله الى العمل ، وقال " لااريد لاحد ان يقتل معي فرصاص القتلة لايميز بين الحارس والمرافق والضحية المطلوب راسها ) .
كان مكتظا بالايمان ، كاظما للغيض ، علامة في اختصاصه ، عالما بدينه الحنيف . لايقاطع حين يجادل ، ويطلب المعذرة حين يبدي رايا فد يخالف محاوره ، كان طيبا مثل الخبز ، منسابا مثل النهر ، ممتنعا كجبل ، وقبل كل كل ذلك وطنيا صلبا ، مناهضا للاحتلال ، مؤمنا بان النصر قادم لاريب ، وان عمر الاحتلال وعملائه قصير في ارض الانبياء والاولياء والائمة الشهداء .
الصديق عصام كاظم الراوي ، كنت قويا في حياتك ، شجاعا نبيلا في مماتك . لم تنكس راية الدفاع عن العلماء والاكاديميين ، وفضح جرائم الاحتلال حتى اخر لحظة من حياتك المليئة .
تشرفنا بمعرفتك في صقيع الغربة فتدفئنا معك على حلم التحرير ، وادمعت عيوننا، وادميت قلوبنا حين فارقتنا بعد لقاء عابر لكنه ترك اثرا عميقا في نفوسنا . ابتسمت بحياء العالم ، وصلابة المناضل حين قلنا لك قد لا نلقاك ثانية ، ومعك قرانا " قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا " نشعر بالالم لمماتك ، ونشعر بالاعتزاز لانا عرفناك عن كثب .
نم قرير العين ، ايها ، الصديق ، فابناء العراق الشرفاء لن يتركوا دمك يذهب هدرا .
المؤلم انك لن تشهد على الارض هزيمة الاحتلال وهروب عملائه . واملنا في عدالة السماء التي ارتفعت روحك الطاهرة الى اعاليها بين الاكرمين .
موسكو
* سلام مسافر صحافي وكاتب
* منذر العزاوي استاذ جامعي
* فلاح حسن عبود استاذ جامعي
الصديق عصام الراوي فجعتنا برحيلك ونعاهدك على دحر الاحتلال والقصاص من المجرمين
