تتابعت خلال الأسبوع الماضي التصريحات الأمريكية المتوترة عن الأوضاع في العراق، والتي تكشف عن حجم الانهيار في معنويات القوات الأمريكية، وفي سياسة الإدارة الأمريكية تجاه العراق،
والشعور بالعجز إزاء واقع شديد التعقيد، والإحساس بالورطة التي أحدثها قرار احتلال العراق، وهو القرار الذي وصفه متحدث باسم الخارجية الأمريكية بأنه "غبي ومتغطرس" قبل أن يسحب كلامه بفعل ضغوط رسمية، أيضاً تلاحظ أن الرئيس الأمريكي جورج بوش لم يعد يخفي الحقيقة أو بعضها عن شعبه وعن الرأي العام العالمي، خاصة بعد اقتراب انتخابات الكونجرس واحتمالات خسارة الحزب الجمهوري لأغلبيته كما تشير معظم استطلاعات الرأي، التصريحات الأمريكية تصب في اتجاه واحد: الإخفاق في العراق، وأنه لا مستقبل للوجود الأمريكي هناك، بعض التصريحات الرسمية أشارت إلى أن القوات الأمريكية لن تبقى لأبعد من عام ونصف، وأنه على الحكومة الحالية ترتيب أوضاعها وفق ذلك الترتيب الزمني، بعض المظاهر المسلحة الآن في العراق التي أصبحت علنية لقوات المقاومة أو منظمات مسلحة طائفية أو غيرها، والإعلان عن مناطق محررة وإمارات جديدة في بعض المدن، يعني أن هناك حالة فوضى كبيرة مقبلة، وفقداناً تاماً للسيطرة على الأوضاع، أخطر ما جاء في التصريحات الأمريكية ما تم تسريبه من تقرير جيمس بيكر وزير الخارجية الأسبق ومجموعته التي تم تكليفها بدراسة الوضع في العراق وإجراء مقابلات في المنطقة؛ إذ ذهب إلى أهمية إعطاء دور لكل من إيران وسوريا في حفظ الأمن في العراق بديلاً للقوات الأمريكية، وبطبيعة الحال الدولتان لم تترددا في قبول "الهدية"؛ فسوريا التي كان نظامها يترنح بعد التهديدات الأمريكية العلنية بإطاحته بعد العراق وجد نفسه في وضع المنقذ للأمريكان، وكذلك إيران التي دخلت في معركة نفسية مع الأمريكيين وجدت نفسها أيضاً حبل الإنقاذ للورطة الأمريكية، فضلاً عن أن الفكرة ستتيح لها تحقيق الحلم القديم بالهيمنة على العراق أو جنوبه على الأقل، وإنهاء "القلق العربي"، ووضع اليد على حقول النفط الغنية في الجنوب، والتمكين للمنظمات الشيعية المتحالفة معها، والفكرة الأمريكية هنا محض عبث وجنون؛ لأنها تعني في المحصلة فتح منطقة الشرق بكاملها على دوّامات من العنف القومي والعرقي والطائفي المروّع لن تنحصر في العراق وحده بكل تأكيد، ولذلك لا أعتقد أن مقترحات "بيكر" يمكن أن تتحول إلى واقع خططي حقيقي، ولكنها كشفت عن حجم الانهيار في الأوساط الأمريكية تجاه وضعهم في العراق، والبحث عن أي صيغة بأي ثمن للخروج من "المستنقع" العراقي، وهنا يصبح من الضروري أن نطرح السؤال عن "الدور العربي" في هذه السيناريوهات، وما هو تصور الدول العربية المشرقية الكبرى لمستقبل الأوضاع في حال خروج الأمريكان، وكل الدلائل تشير إلى أنه سيخرجون بشكل مهين ومتعجل عما قريب، هل سيُترك البلد نهباً للفوضى ومشروعات التقسيم الطائفي والعرقي، هل سيُترك العراق نهباً للنفوذ الإيراني الصريح وقتها، وفتح الباب أمام تمددّات طائفية وقومية بالغة الخطورة على بقية المشرق، وتصدير التشرذم والفوضى إلى بقية دول المنطقة. السؤال بوضوح أكثر: أين هو الدور السعودي والمصري في هذا الخطر الداهم، بحكم أن الدولتين هما الأكبر عربياً في دول المشرق، بعد استبعاد سوريا التي وقعت بالفعل في دائرة الحسابات الإيرانية وإستراتيجياتها في المنطقة، لاعتبارات سياسية ومذهبية. إن الأوضاع التي كانت سائدة في المنطقة أثناء حكم صدام حسين بكل مخاوفها وهواجسها قد انقلبت، والتوازنات اختلفت، وحسابات كل القوى تبدلت، وللمرة الأولى تجد القوى الدولية الكبرى- وخاصة الأمريكيين أنفسهم- عاجزين، ولا يملكون أي رؤية أو مشروع بديل، وينتظرون الحل من مشروعات بديلة في دول المنطقة خاصة الدول التي لها ثقل سياسي وروحي، اليوم الوضع اختلف جذرياً، والغطرسة الأمريكية انتهت إلى تدمير العراق الوطن والشعب والمقدرات، ثم أخفقت في إعادة بناء أي شيء بديل فيه، وتتركه اليوم نهباً للفوضى والخراب، والأهم أن الأمريكيين اعترفوا صراحة بأنهم أفلسوا وليس لديهم أي مشروعات بديلة، يريدون الخلاص فقط من الورطة، ونحن وكل شعوب المنطقة نريد خروجهم أيضاً من العراق، ولكن أيضاً نريد أن تتقدم الدول العربية بسيناريوهات بديلة لحماية العراق من الانهيار، وأن تكون هناك مبادرات حقيقية حاسمة وجريئة في هذا الاتجاه، مطلوب فتح قنوات الاتصال المباشر مع كل القوى الوطنية العراقية، وخاصة قوى المقاومة والتيارات الشيعية المعارضة لتقسيم العراق والمناهضة للنفوذ الإيراني، قد يكون المؤتمر الذي بادرت بالدعوة إليه السعودية في مكة المكرمة في أجواء رمضان لإبرام وثيقة عهد بين ممثلي السنة والشيعة في العراق لوقف الاقتتال الطائفي بادرة طيبة وخطوة إيجابية تكشف عن إحساس جاد بالخطر وأهمية المبادرة والتحرك، إلاّ أنها بكل تأكيد ليست كافية وحدها، بل سيتم تهميش قيمتها ما لم يكن هناك نفوذ مباشر وحقيقي وتحرك فعّال على الأرض في العراق نفسه، والحقيقة أن الدور السعودي والمصري بشكل أساس تنبع أهميته في أنه سيكون أكثر شفافية من أي دور آخر؛ لأن الدولتين ليست لهما أي أطماع في العراق، لا اقتصادية ولا سياسية ولا قومية ولا حتى مذهبية، وإنما هو البحث عن حماية بلد عربي كبير من التشرذم، وحماية المنطقة كلها من خطر الوقوع في دوّامات العنف القومي والطائفي في حالة ما إذا عجزنا عن احتواء الوضع العراقي. الرسالة التي ينبغي أن تكون نصب أعين الجميع أن ما يحدث في العراق اليوم لم يعد شأناً عراقياً، وإنما أوضاع متفجرة ومرشحة للمزيد من التفجر قد تنتهي بتغيير وجه الشرق الأوسط كله
الاسلام اليوم
الدور العربي \"البديل\" في العراق- جمال سلطان
