حينما تكون عاصمة بحجم وثقل بغداد التاريخي والحضاري فيها هذا الكم الهائل من العمائم والسراويل واللحي والمفخخات والتوحش فمن المؤكد أن من يريد ترشيحها عاصمة للثقافة العربية عام 2009
انما يريد بهذا شيئين: الأول هو السخرية أو غض النظر عن طوفان الموت الوحشي الذي يصيب ابناءها جراء الغزو الامريكي وذيوله والقادمين من وراء الحدود، والثاني هو اعطاء وصفة مجانية لتجنب الحقيقة القاتلة لما يدور هناك وهذا الأمر ربما يمثل نوعا من الانكار، انكار ما حدث ويحدث الآن بالعراق. فالعلاقة المأزومة بين من يعرف هذه المدينة وما يجري بها وبين من ينظر إليها من خلال أحاديث البعض المنمقة هي التي تفسر حالة الأزمة فقد أدت الحروب المتمادية .. حروب ملوك الطوائف .. حروب الجنرالات والأحزاب التي كانت بغداد مسرحاً لها إلي تغيرات عميقة وشاملة في التركيبتين الجغرافية والاجتماعية لهذه المدينة، مثلما أفضت هذه الحروب إلي دمار شامل طاول مجمل مرافق بنيتها التحتية ثم اختطفت المجتمع واطلقت عنان الغرائز.
تساءلت مع نفسي وأنا أقرأ مقال الروائي العراقي الأخ الفاضل عبدالرحمن مجيد الربيعي المنشور في صحيفة القدس العربي يوم 16ـ10ـ2006 (صفحة أدب وفن والمعنون: أي ثقافة في العراق المحتل لتصبح بغداد عاصمة لها) والذي يتوافق بعض الشيء مع ما أفكر به .. أقول تساءلت عن مدي صحة الخبر الذي يقول: اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية!! وأعترف أن للخبر إغراءه لكنه أيضاً قد يكون مضللاً ـ بغض النظر عن ماهية المصدر ومصداقيته ـ وعندها يتحول اليقين إلي شك يشي بما لا يقوله الخبر وعندها أيضاً يكون الخبر (برق خُلَّب) كما قال شاعرنا العربي وما أن يبدأ القارئ بتذوق متعة الخبر حتي تتلاشي المتعة أكثر فأكثر إلي درجة أن القارئ قد ينزلق إلي أقصي حدود اليأس بدلاً من التفاؤل فضلاً عن عدد آخر من الحكايات الضمنية، وهذا يعني أننا لا نزال داخل لعبة التمويه اللغوية لذلك تظل الحاجة قائمة إلي اليقين من داخل اللغة ليدفع بها إلي آفاق جديدة.
لا تتلقي بغداد التأثيرات التي تتلقاها أي مدينة أخري بما هي مدينة جميلة مفتوحة علي نافذتي العلم والأدب .. إنها عاصمة لا تخبو وجاهزة للانبثاق مجدداً متي تأمنت لها مقومات الانطلاق والمفارقة الآن التي تبدو لنا للوهلة الأولي متأتية من اختيارها في هذا الوقت والذي جاء متأخراً جداً مع أن الدافع إليه كان تسليط الضوء علي الموت الذي تعيشه علي مضض وبصبر كبير هي وابناؤها. وبما أن الموت يأتيها من كل الجهات كما قلنا ذلك مراراً عبر موجات القصف والتفخيخ والذبح فإن مرأي المدينة وهي نائمة علي طاولة الذبح العالمي والإقليمي والمحلي يصبح قاتلاً ومفجعاً في آن معاً إلا أن هناك مسافة فاصلة بين مشهد الموت كأداة بغيضة بدائية وبين فعل الحياة كممارسة خرافية، فبغداد ليست مدينة مجردة إنها امرأة تتماهي بين أن تكون ملاكاً له عينان تتوهجان أو روح تقطن المكان منذ زمن قديم كما انها لا تشبه المدن علي أي حال من الأحوال، ربما لأنها محكومة لموقعها علي حافة الموت دائماً أو تبعاً للاحتلالات التي تعرضت لها عبر التاريخ ومع هذا سرعان ما تعود لصناعة الحياة وصياغتها.
هل بامكاننا الكلام علي سياسة ثقافية للعراق في ظل الاحتلال؟
اذا كان بمقدورنا تحديد سياسة ثقافية جديدة في ظل الاحتلال والحديث عنها علينا الاجابة علي المشكلات الكثيرة الكبيرة المستعصية التي تحيط بها وبنا فلا يجوز الاستنتاج ان الموقف الفردي للمثقف العراقي إزاء موضوع الاحتلال مستنداً إلي موقف مسبق يجري تطبيقه تحت اشراف جهاز حكومي مصطنع أو غائم لا يمتلك الوسائل الضرورية لتفعيل الحياة، فالمواقف العامة أو الخاصة منها كانت ولا تزال تنضح تباعاً لكن المداخلات تتكاثر وتتنوع وسائل المد والجزر ونشير هنا إلي نموذجين للكتابة في هذا المجال أحدهما شديد الوضوح والآخر كثير التفاؤل ولا ضير في هاتين الحالتين ولكي لا تنحسر الثقافة في الزاوية الضيقة نتيجة للتراشق الكلامي الحاد الذي يحصل هنا وهناك بين آونة وأخري.
لا يمنع من القول ان العامل الثقافي بحد ذاته لم يكن جديداً علي هذه المدينة فالتاريخ البعيد والقريب يؤكد بوضوح ساطع أن المؤسسات الثقافية بكافة أنواعها كانت تتخذ من بغداد مزاراً لها، وبمعزل عن هذا التصنيف النوعي فإن التوسع الثقافي في هذه العاصمة التاريخية لعب دوراً بالغ الأهمية علي مر العصور وذلك ضمن التطور المتميز للثقافة العربية في كافة جوانبها فمن الطبيعي جداً ظهور هكذا ترشيحات تجبر من يريد لهذه المدينة الموت العودة إلي الوراء قليلاً لاستعادة شخصية (سنمار) من جديد .. وأن تعود إلي عهدها الذهبي حيث الحراك الثقافي والمعرفة والتجارب الأدبية ـ الفنية المغايرة فلا زالت هذه المدينة وعشاقها من الكتاب والفنانين والمفكرين تري من واجبها/هم حماية هذا الامتياز الثقافي ـ الحضاري لتطويره وتخليصه أيضاً من الدخلاء والمعممين وصانعي الموت وهنا تكمن المغامرة الكبري عند تقديم جواب متسرع علي السؤال المطروح أعلاه: هل ستكون بغداد عاصمة للثقافة العربية؟ الفرضية الأولي في هذا السياق تكمن في فهم الوجود الثقافي العراقي في هذه المرحلة الحرجة وانطلاقاً منه علينا أن نتفحص مدي فاعلية كل ما يُكتب وينشر في الصحف والدوريات فمن بديهي القول ان من شروط الثقافة والمعرفة من حيث الاكتساب والإيصال والاستخدام أن يتم التركيز علي اللغة الرصينة .. المشاكسة .. المتجددة لا المتداولة لأنها تمثل أساس الهرم الثقافي، لكن السؤال الأهم برأينا هو التالي: كيف نحدد موقفنا الأخلاقي والإنساني من الاحتلال في هذه المرحلة الشرسة المتشابكة خصوصاً ونحن نتعامل مع الكلمة؟ فبعض الذين كتبوا ويكتبون يدرجون ـ للأسف ـ تحت خانة (المع والضد أو بعض المسميات الغريبة والنعوت الغرائبية) التي تخضع للمزاجية .. أو تلك التي تدعو لتصفية الحسابات القديمة علي غرار تلك الصرخة الملازمة لكل عهد .. يالثارات بدر، وهناك من يحاول السير مع ظاهرة تجميل الحقائق أو التفاؤل التقليدي وحتي الطريقة التي تستخدم في تجميل الحقائق يصبح من الصعب جداً التفريق خلالها بين الارقام المدونة للموت وتلك التي يعلن عنها .. فالارقام المعلنة هناك والتي يُعلن عنها هنا لا تعطي تقديراً صحيحاً للموت المنهجي اذ يترك قسم كبير من الارقام، بطريقة متعمدة، وتبقي اسماء مسجلة في لوائح مجهولي الهوية بمعني أن تلك اللوائح لا يمكن أن تكون دون الرقم الحقيقي للموت بل مبالغ فيها كثيراً وعلي الرغم من جميع التحفظات لا بد من نماذج أخري تشير إلي حقيقة ما يحدث بمنتهي الجرأة والمســـؤولية، وهكذا سيكون الأمر بالنسبة لموضوع الثقافة بغالبيتها الساحقة المسكونة بذلك المجهول الذي يتمدد علي مساحـــات واسعة تستحضر الموت اليومي في البلاد.
إن الأهمية التي بدأت توليها (الحكومة العراقية الجديدة) لتعزيز وجودها السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والأمني الفاشل في البلاد قد انعكست مباشرة علي شكل إعادة إنتاج الوثن الذي يقضي بإنشاء منظومة عبادة الشخصية الموروثة والمرتبطة بالماضي اللعين، كما أنيطت بها صلاحيات توزيع شهادات حسن السلوك والبراءة حتي بات من المؤكد أن العامل الثقافي كعامل قوة في انتشار نفوذ الطوائف والأحزاب والمليشيات بدأ يتزايد علي كافة الصعد ولدي قطاعات واسعة منتشرة هنا وهناك في الداخل والخارج .. كلها عادت لممارساتها السابقة وهذا الأمر لا يندرج في إطار العمل داخل المؤسسة الحكومية فحسب بل يتعداها كثيراً وبهذا أصبحت الحياة الثقافية شديدة التقلب تبعاً لموقع هذا الحزب أو تلك الطائفة في ميزان القوي السياسية العاملة في السلطة وهو ميزان متقلب باستمرار سيقودنا مرة أخري إلي سيطرة السياسي علي الثقافي بشكل واضح تبعاً للمظاهر الكثيرة الدالة عليه .. إنه اتساع كبير دون شك، لكنه بالغ الهشاشة لذلك لا يمكننا الكلام عن سياسة ثقافية عراقية في ظل الاحتلال والعمائم والموت.
علينا أن نعي هذه المرحلة التي يُفترض أن تكون الثقافة فيها .. أعلي صوتاً، وأعرض مساحة وأوسع مدي وأعمق ذهاباً في أرض الواقع وآفاقه فلا وجود لكابح أمريكي هنا أو رقيب معمم أو يساري قديم بات مروجاً كبيراً للرأســـمالية أو (مناضل) محبط متقاعد هناك قد يعيدون، بممارساتهم العبثية، ثقافة الصوت الواحد من جديد.
وأخيراً أقول: إذا كانت رؤيتنا لهذا الموضوع قد تغيظ البعض فلا بدّ علي هذا البعض أن يقبل بفكرة .. ان الأعتراف بحق الاختلاف هو قاعدة حضارية للتعايش والتواصل.
شاعر من العراق يقيم في المانيا
القدس العربي
بغداد: عاصمة للعمائم والموت
