في السعودية استُقبل الشيخ حارث الضاري، الأمين العام لهيئة علماء المسلمين والوفد المرافق له من قبل العاهل السعودي الملك عبد الله، كما استُقبلوا لاحقاً من قبل وزير الخارجية، الأمير سعود الفيصل، وهي المرة الأولى التي يستقبل فيها الشيخ على هذا المستوى.
الدلالة الأولى، وربما الأهم للاستقبال الذي حظي به الوفد هي ما ينطوي عليه من اعتراف بالثقل السياسي الذي تمثله الهيئة في المعادلة العراقية، وفي أوساط العرب السنة على وجه التحديد، فضلاً عما تنطوي عليه من اعتراف بالطريق المسدود الذي وصلته القوى المنضوية في العملية السياسية، وعجزها عن تحقيق شي ذا بال للعرب السنة، لاسيما بعد تورطها السابق في تمرير الدستور، وعجزها التالي عن وقف مشروع الفيدرالية الذي لا يبشر بتقسيم العراق فحسب، بل يبشر قبل ذلك بحرب أهلية واسعة النطاق قد تترك آثارها على المنطقة برمتها.
من المفيد القول أن للمملكة العربية السعودية حضورها في الملف العراقي، أكان في سياق العلاقة مع القوى السياسية، أم حتى في سياق آخر يتعلق بقوى المقاومة، سواءً تم ذلك بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، لكن ذلك لا ينفي أنه حضور لا يرقى إلى حجم التحديات التي تفرضها التطورات الجارية في العراق، وما من شك أن التراجع المصري تبعاً لاعتبارات التوريث لا زال يلقي بظلاله على مجمل الوضع العربي ومن ضمنه السعودي.
هناك من يرى أن الدخول السعودي على خط هيئة علماء المسلمين إنما يأتي في سياق دعم خطة المصالحة التي تبناها المالكي، وهو يحظى تبعاً لذلك بالرضا الأمريكي، وإذا صح ذلك فهو يشير إلى أن الرؤية السياسية التي حكمت الوضع العربي في السياق العراقي لا تزال على حالها، وهي رؤية تركز على خطر المشروع الإيراني، مع تهميش الخطر الأكبر الذي يمثله المشروع الأمريكي الصهيوني.
ثمة إشكاليتان يعاني منهما الوضع العربي، والسعودية جزء منه، أولاها الخوف المبالغ فيه من واشنطن، وعدم رؤية المأزق الذي تتخبط فيه في ملفات كثيرة نشير إليها كل يوم، من العراق وأفغانستان إلى لبنان وفلسطين، وأخيراً كوريا وقبلها إيران، فضلاً عن علاقاتها المضطربة مع محاور كثيرة في الوضع الدولي. أما الإشكالية الثانية فتتمثل فيما أشرنا إليه من تقديم للخطر الإيراني على المشروع الأمريكي الصهيوني.
هناك خطر يمثله المشروع الأمريكي الصهيوني، كما أن هناك خطر يمثله المشروع الطائفي في العراق، فضلاً عن خطر التمادي الإيراني في أحلام التمدد في المنطقة، لكن الخطر الأمريكي ومن بعده الطائفي لا يمكن أن يضرب إلا من خلال المقاومة، أما المشروع الإيراني فيمكن التعايش معه عبر الحوار، وإذا لم يكن فإن إمكانية مواجهته ليست صعبة.
من هنا يمكن القول إن على السعودية والوضع العربي عموماً أن يقفوا إلى جانب القوى المناهضة للاحتلال وعلى رأسها هيئة علماء المسلمين، وتلك المناهضة للفدرالية والتقسيم، أكانت سنية أم شيعية، والأهم أن يقفوا أو يدعموا بكل الوسائل تلك القوى التي تقاوم الاحتلال وتفشل مشروعه.
إنه المسار الوحيد المتاح، ولن يتم ذلك من دون تخلص الوضع العربي من أوهام التفرد الأمريكي بالوضع الدولي، فضلاً عن التخلص من أوهام الخطر الإيراني المبالغ فيه، مع التأكد من أن المعركة الأمريكية مع إيران قد تصل حدود كسر العظم، بما يعنيه ذلك من تداعيات ويفرضه من تحديات.
نأمل أن تكون زيارة الضاري للسعودية فاتحة لعلاقة مختلفة، ليس مع الهيئة كممثلة للعرب السنة، بل مع الملف العراقي ومع عموم قضايا الأمة، ومن ضمنها القضية الفلسطينية.
الاسلام اليوم
الضاري في السعودية.. أية دلالة؟.. ياسر الزعاترة
