يبدو أن الاخفاق الأمريكي في العراق قد أصبح حقيقة واقعة لا سبيل إلي الهرب منها بعد أن فقدت حكومة المالكي السيطرة علي الأوضاع الأمنية
, وفشلت خطتها في مواجهة جماعات العنف, وزاد الوضع سوءا وبلغ حد الانفلات الأمني والفوضي مع توسع خطر الحرب الأهلية, وارتفع معدل عمليات العنف خلال شهر رمضان بنسبة جاوزت22 في المائة, وتصاعد عدد القتلي من الجنود الأمريكيين ليصل إلي معدل غير مسبوق تجاوز مائة قتيل في شهر أكتوبر وحده, وتمكنت جماعات العنف والمقاومة من العودة إلي المناطق التي كانت الحملات المشتركة ما بين القوات الأمريكية والقوات العراقية قد طردتهم منها, وارتفعت أصوات العسكريين البريطانيين والأمريكيين, تحذر من خطورة استمرار الأوضاع علي ما هي عليه إلي حد دفع رئيس أركان القوات البريطانية إلي المطالبة العلنية بإخراج القوات البريطانية
من العراق في أسرع وقت ممكن, بعد أن تأكد الجميع أن الوجود العسكري لقوات التحالف الأمريكي البريطاني في العراق هو جوهر المشكلة وأن الانسحاب هو الحل, ولم يعد هناك مفر من البحث عن مخرج يحفظ بعض ماء وجه الرئيس الأمريكي بوش وحليفه بلير, ويتيح للقوات البريطانية الأمريكية الخروج من العراق.
ويبدو أن الوضع الذي يزداد تدهورا في العراق دفع معظم الحكومات الغربية الي إعادة تقييم ما يحدث هناك إلي حد أنها ترتب لمرحلة ما بعد الاخفاق الأمريكي المتوقع, وتحث أجهزة مخابراتها علي معرفة الهدف التالي للعراق, الذي يمكن أن تتجه إليه جهود جماعات الإرهاب التي تكاد تسيطر الآن علي الساحة العراقية, لكن الأخطر من ذلك الاكتشاف الأمريكي المتأخر لأن بعض الأطراف العراقية في دائرة الشيعة, تعمل علي أجندة مختلفة تماما عن الأجندة الأمريكية بعد نجاحها في اختراق أجهزة الأمن والشرطة الجديدة التي أنفق علي إنشائها مليارات الدولارات, بما زاد من نفوذ إيران في العراق, وأدي إلي اتساع رقعة الحرب الأهلية بعد أن أصبحت الميلشيات الشيعية جزءا من أجهزة الأمن والشرطة, وعزز فرص قسمة العراق الي دويلات ثلاث في ظل الوجود الأمريكي الذي أصبح يشكل غطاء أمنيا لمخططات هذه الجماعات, وما لم يتم كسر هذه الحلقة الشريرة, ويعاود الأمريكيون النظر في مجمل الموقف داخل العراق, فسوف يتعرض العراق لثلاث حروب أهلية متداخلة, الحرب بين الشيعة والسنة التي يتصاعد أوارها الآن, والحرب داخل الشيعة ذاتها بين الميلشيات الشيعية التي يقودها الزعيم الش
يعي مقتدي الصدر وميلشيات المجلس الأعلي للثورة الإسلامية التي يقودها عبدالعزيز الحكيم صراعا علي مستقبل الشيعة وصورة العراق في المرحلة القادمة, ثم الحرب التي تخوضها السنة ضد الوجود العسكري الأمريكي في العراق.
والواضح أن التطورات الأخيرة داخل العراق, واستمرار تدهور الأوضاع دون ظهور إشارات جديدة تؤكد إمكانية تحسن, تثير انزعاج الأمريكيين الذين يعارضون الآن سياسات بوش في العراق بنسبة جاوزت64 في المائة, ويرفضون بقاء القوات الأمريكية هناك إلي أمد زمني مفتوح دون تحديد جدول زمني للانسحاب, ويريدون عودة أبنائهم الجنود في أسرع وقت ممكن من حرب تكشفت لهم بواعثها الكاذبة, تظهر نتائجها كل يوم حجم التضليل الكبير الذي مارسته إدارة الرئيس بوش علي الجمهور الأمريكي, علي حين تصر الإدارة الأمريكية علي عنادها, وتتمسك بحالة إنكار تام تمنعها من الاعتراف بالضرورات الملحة التي تفرض ضرورة إحداث تغييرات استراتيجية أساسية علي سياسات بوش في العراق.
وزاد من سوء وضع الإدارة الأمريكية في الداخل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي التي تجري في شهر نوفمبر القادم والتي تكاد تتحول إلي استفتاء علي سياسات بوش في العراق, ولجوء عدد من قيادات الحزب الجمهوري إلي نقل مواقفهم من حرب العراق بعيدا عن مواقف إدارة بوش إلي حد يكاد يشكل موقفا واحدا مع الديمقراطيين الذين يقدمون أجندة مختلفة, تدعو إلي انسحاب القوات الأمريكية خلال ستة أشهر دون إعلان جدول زمني, علي أن يبدأ التنفيذ في إطار اتفاق واضح مع الحكومة العراقية علي ضرورة نزع سلاح الميلشيات الشيعية بالكامل, وإجراء الانتخابات المحلية, وتنفيذ خطة متكاملة لتحسين الخدمات.
صحيح أن الرئيس الأمريكي قدم أخيرا اعترافا بأن الوضع الراهن في العراق يشبه ما كان يجري في فيتنام قبل الاخفاق الأمريكي في نهاياته الأخيرة هناك, وأبدي قدرا من المرونة يؤكد استعداده لقبول بعض التغييرات التكتيكية علي سياساته في العراق مع تأكيده صدق التمسك بالأهداف الاستراتيجية التي تخلص في بزوغ عراق مستقر يستطيع أن يحكم نفسه ويدافع عن نفسه, يصلح لأن يكون حليفا للولايات المتحدة في حربها علي الإرهاب, كما عقد الرئيس الأمريكي مجلس حرب ضم كل أركان إداراته لتقديم روشتة جديدة تلتزم بتنفيذها حكومة المالكي علي امتداد العام القادم, علي أمل أن يقدم للأمريكيين اجابات شافية تجعلهم أكثر اطمئنانا لمستقبل سياساته في العراق, وأن يساعد ذلك الجمهوريين علي الحفاظ علي أغلبيتهم في التجديد النصفي لمجلسي الكونجرس, لكن استطلاعات الرأي العام الأمريكي تشير إلي أن الجمهوريين سوف يخسرون في انتخابات نوفمبر واحدا من المجلسين علي الأقل إن لم يخسروا الاثنين بما في ذلك مجلس الشيوخ الذي تسيطر عليه أغلبية جمهورية لأكثر من12 عاما متصلة, واللافت للنظر في حملة توضيح الأهداف التي يقودها الرئيس بوش, أنه لم يعد يكرر عبارته الشهيرة التي ي
تحدث فيها عن عراق ديمقراطي مزدهر يبزغ في الشرق الأوسط التي كانت تثير سخرية المعارضين لسياساته مكتفيا بعراق مستقر!
ومايضاعف من أزمة الإدارة الأمريكية, في الوقت الذي يهاجم فيه الأعضاء الجمهوريون مواقف الإدارة الأمريكية من قضية العراق طلبا لأصوات الناخبين, أن الديمقراطيين يقدمون حلولا بديلة تقوم علي استبدال سياسات المواجهة التي اتبعها الرئيس بوش بسياسات الاحتواء التي مارسها الرئيس كلينتون, لأن توجيه ضربة عسكرية الي إيران لالزامها بالعدول عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم سوف يزيد من حجم المشكلة العراقية, ويوسع من دائرة الفوضي في العراق وفي الخليج, حيث تستطيع إيران تركيز ضرباتها الانتقامية علي الوجود العسكري الأمريكي هناك وعلي مضيق هرمز لمنع تدفق البترول إلي العالم الغربي, كما أن دول الخليج التي اعتمدت في أمنها علي الوجود العسكري الأمريكي, تحس الآن مخاطر الاستقطاب, إذا انحازت إلي عمل عسكري أمريكي ضد إيران,
وقبلت أن تكون ساحة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة, وكذلك الأمر في الأزمة الكورية حيث يفضل الديمقراطيون اللجوء إلي التفاوض المباشر مع كوريا الشمالية بدلا من المواجهة العسكرية التي تحمل مخاطر ضخمة شريطة أن يتم التفاوض في إطار تشاور مع اليابان وكوريا الجنوبية وروسيا والصين يضمن الاتفاق علي استراتيجية مشتركة تضمن نجاح التفاوض مع كوريا الشمالية.
وبرغم بعض المرونة التي يبديها الرئيس بوش, وإعلانه المتكرر أنه منفتح علي أية تعديلات تتعلق بتنفيذ سياسته في العراق شريطة الحفاظ علي الأهداف الاستراتيجية لمشروعه, إلا أن الرئيس بوش لايزال يرفض الاعتراف بأن سياساته في العراق قد وصلت الي حائط مسدود, ولايزال يرفض مقترحات القطب الجمهوري الكبير جيمس بيكر وزير الخارجية الأسبق, الذي رأس لجنة من الخبراء الاستراتيجين والعسكريين لتقييم سياسات أمريكا في العراق انتهت إلي ضرورة فتح حوار مباشر بين واشنطن وكل من طهران ودمشق, وهي اقتراحات يعتبرها بوش بمثابة اعتراف بهزيمته, ولايزال يرفض مقترح الديمقراطيين بالانسحاب في إطار جدول زمني خلال ستة أشهر, لأن الانسحاب قبل أن يكون العراق قادرا علي حماية أمنه في الداخل سوف يزيد الموقف سوءا, وقد يؤدي إلي إشاعة الحرب الأهلية, كما أنه يترك العراق وقد أصبح منطلقا لعمليات القاعدة في عدد من الدول المجاورة تستهدف هز أمن الشرق الأوسط واستقراره, والأخطر من ذلك أن الانسحاب من العراق, سوف يكون بمثابة اعتراف بهزيمة الولايات المتحدة في حربها علي الإرهاب.
والواضح أيضا أن الرئيس الأمريكي أكثر ميلا إلي استبعاد مقترحات جيمس بيكر, والأخذ بنصيحة هنري كيسنجر الذي أكد له أن قطع المهمة والهرب من العراق تحت ضغوط زيادة أعداد القتلي من الجنود الأمريكيين سوف يعني فشلا ذريعا للولايات المتحدة يؤثر علي صورتها ومكانتها في العالم, وأنه ما من بديل آخر سوي البقاء في العراق وإكمال المهمة, وتحقيق النصر علي هذه الجماعات.
ولهذه الأسباب تكاد تقتصر التعديلات التي يعتزم الرئيس بوش القيام بها علي صياغة جدول زمني يحدد المهمات التي ينبغي أن تلتزم بها حكومة المالكي في إطار خطوات محددة, يتم تنفيذها علي مدي العام القادم, يرسم إطارها العام فريق من الخبراء يرأسه الجنرال وليم كاسي والسفير الأمريكي زلماي خليل علي ضوء التوصيات التي صدرت عن مجلس الحرب, الذي عقده الرئيس بوش الأسبوع الماضي وضم معظم أركان إدارته. وهدف الخطة ببساطة, حفز الحكومة العراقية علي النهوض بمسئولياتها لأن الوقت ينفد, ولأن القوات الأمريكية لن يكون في وسعها البقاء في العراق أمدا أطول... صحيح أن الخطة لاتقدم للحكومة العراقية إنذارا يحدد موعدا نهائيا لبدء انسحاب القوات الأمريكية, ولكنها تعطي حكومة المالكي مهلة عام لإنهاء الحرب الأهلية, ونزع سلاح ميلشيات الشيعة وبدء برنامج تحسين الخدمات, والاعتماد علي قوات أقل من الجيش التي ربما تكون أقل في قابليتها للاختراق والانحراف من أجهزة الشرطة والأمن, التي تحول بعضها إلي ميلشيات لمطاردة السنة وقتلهم.
وتكاد تخلص خطة بوش باختصار في أنه أعفي نفسه من المسئولية, وعلق الجرس في رقبة العراقيين, وأعطاهم مهلة عام, وحذرهم من الركون إلي استمرار بقاء القوات الأمريكية, وخيرهم بين الاستمرار في الحرب الأهلية أو البحث عن صيغة للمشاركة تمكنهم من التعايش في إطار عراق واحد, سنة وشيعة وأكراد, وألقي بالمسئولية علي قيادات الشيعة, وحذرهم من أن يروا في الوجود العسكري الأمريكي مظلة أمن لتنفيذ أجندتهم الخاصة.
هل تنجح هذه الخطة؟ وهل يستطيع رئيس الوزراء المالكي نزع ميلشيات عبد العزيزالحكيم ومقتدي الصدر الذي كان سببا في تنصيبه رئيسا لوزراء العراق؟!
أسئلة تصعب الإجابة عنها, لكن ثمة مايؤكد أن إخفاق الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر القادم في الحفاظ علي أغلبتهم في أي من المجلسين, خصوصا النواب, سوف يعجل بخروج القوات الأمريكية من العراق, نجح المالكي في مهمته أم فشل, ورضي بوش أم أبي, كما أن استمرار سيطرة الجمهوريين علي المجلسين ـ وهو الأمر المتعذر ـ سوف يطلق يد الرئيس بوش, يفعل مايشاء في العراق بما في ذلك زيادة عدد القوات الأمريكية هناك مواصلا سياساته التي تقوم علي العقاب والمواجهة والتي غالبا ماتزيد الموقف سوءا, إلي أن يفعل الله ما يشاء.
الاهرام القاهرية
خيارات بوش الصعبة في العراق - مكرم محمد أحمد
