هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق والمرتزقة الجدد
العراق والمرتزقة الجدد  العراق والمرتزقة الجدد

العراق والمرتزقة الجدد

شهد عراق ما بعد الغزو ظاهرة ملفتة للنظر، متمثلة بتحويل هذا البلد العريق إلى ساحة عمل لعشرات الألوف من العناصر الأجنبية العاطلة عن العمل والمسكونة بالقتل والإجرام والباحثة عن الكسب الحرام والتي كانت تمارس التسكع والجريمة في أحياء فقيرة ومشبوهة في الشرق والغرب حيث تمارس أنواع الجرائم جهارا نهارا،، تلك العناصر هي فئة من الناس ممن يبيع خدماته لمن يشتري بصرف النظر عن طبيعة العمل ونوعيته، المهم كم سيحصل العنصر الواحد. أما إذا توفرت فرصة لارواء تعطشه لسفك الدماء البشرية، فان عمله ذاك سينطوي على متعة رائعة.. أولئك هم المرتزقة العاملون الان في العراق تحت خيمة ما تسمى بشركات الأمن الأمريكية والأوربية المختلفة والتي كانت تعمل في أفريقيا قبل أن يفتح بوجهها السوق العراقي المغري.
واللافت للنظر، إن تلك الشركات التي أثرت وتضاعفت مداخيلها أضعاف أضعاف مقادير أصولها المالية جراء العمل في العراق تحت واجهة تأمين الخدمات الحمايوية، لم تكن تكتفي بالحصول على المبالغ الطائلة والخيالية لقاء استيراد هؤلاء المجرمين المأجورين وما يترتب عليه ذلك من عمولات ضخمة، وإنما ثبت قيامها بالتحايل والتدليس والتزوير لسرقة اكبر ما تستطيع سرقته من أموال وثروات العراقيين المستباحة لكل من هب ودب. والمدهش في هذا الأمر تواطؤ القضاء الأمريكي مع تلك الشركات بادعاء جهات قضائية أمريكية عليا (المحكمة الفيدرالية الأمريكية) إنها لا تستطيع التدخل بشأن تحايل وسرقات تلك الشركات، أضف إلى ذلك مصدر آخر للإثراء المريب وهو قيام هؤلاء المرتزقة بتشكيل عصابات للجريمة المنظمة في بلد ليس للقانون فيه كيان قوي.

الساحة العراقية
كان العراقيون المفعمون بالرغبة بالإطلاع والثقافة، يعرفون أن المرتزقة يعيثون في القارة الأفريقية فسادا ويقومون بأعمال الغزو لدول وينفذون انقلابات في بعضها وإنهم خدموا الحركات الانفصالية في جنوب السودان واليمن وان مرتزقة عراقيين أجراء عملوا إلى جانب التياريين (الاثوريين) في جيش مرتزق شكلته بريطانيا في الربع الأول من القرن الماضي اسمه جيش الليفي كما مر بنا، وقلة منهم يعرف إن مرتزقة عالميين كانوا قد وصلوا العراق ليخدموا حركة الانفصال في الشمال المدعومة خارجيا وان المرتزق العالمي سيء الصيت بوب دينار كان هنا بين جبال شمال العراق يدرب عناصر من المرتزقة العالميين والمحليين ليحقق الرغبات الأمريكية والإسرائيلية في تقسيم العراق، ولكنه لم يمكث في شمال العراق غير أربعة أشهر (33)، فقد وقعت اتفاقية الجزائر عام 1975 لتنهي ذلك التمرد الانفصالي.
الآن وقد وقع الغزو فقد فوجئ الناس هنا بوجود عمالة أجنبية في بلد تدمر البطالة تركيبته الاجتماعية، وقد جرى اختطاف بعض هؤلاء الأجانب الذين يدعون إنهم جاؤوا إلى العراق بهدف العمل لتأمين معيشة عيالهم، وان بعضهم قتل من دون أن يعلن الخاطفون مطاليب محددة لاطلاق سراحهم. فماذا يفعل هؤلاء الأجراء في بلد أغلب سكانه عاطلون عن العمل، وهل يعقل إن البلد الذي تهرب كوادره العلمية يستهوي العمالة الأجنبية؟.
لقد كان من أوائل المخطوفين على وفق تلك الصفة أربعة مرتزقة أمريكان من شركة (بلاكووتر) خطفوا في الفلوجة وهناك قتلوا وسحلت جثثهم وعلقت فوق جسر المدينة قبل تضرم فيها النار، وحاول باتريك توهي مدير الشركة تحميل الشرطة العراقية المسؤولية لتجنب مطالبة أهالي المرتزقة القتلى بتعويضات. وكذلك المرتزق الإيطالي فابريزو كواتروتشي الذي خطف واعدم في نيسان 2004 بعد أن تبين انه من العناصر المرتزقة جاء يبيع خدمات القتل مقابل ثمن. وقد أحصت وكالة رويترز للانباء قتلى المرتزقة في العراق منذ نيسان 2003 وحتى قرابة عام لاحق فكان العدد 151 مرتزقا. ما جعل الموضوع محط متابعة وتعقيب، فهو ذو معنى خطير أن يعود المرتزقة للعمل رسميا في مطلع القرن الحادي والعشرين.
وان عملية القتل والملاحقة بالنيران والخطف مستمرة بل في تصاعد فقد استهدف فندقا شيراتون وبغداد الدولي بقنابر الهاون يوم 17 /4/2004 وكان الفندقان مقرين لإقامة المرتزقة الأجانب العاملين لدى سلطة الاحتلال وان أحد ضباط شرطة نظام جنوب أفريقيا العنصري وهو المرتزق (كوفوت) كان قد قتل أمام فندق بغداد في مطلع العام 2004، وبالمناسبة فان حماية بول بريمر رئيس سلطة التحالف كانت مناطة بالمرتزقة وكان الرجل سخيا مع المرتزقة إذ ان العقد الذي ابرمه معهم لحمايته وحماية المنطقة الخضراء كلف الخزينة العراقية مائة مليون دولار فقط، وانه وسلطته ساهموا في تمكين شركات المرتزقة الأمريكية لسرقة أموال الشعب العراقي عن طريق الاحتيال والتزوير كما سنفصل ذلك.
وضمن مسلسل قتل المرتزقة من قبل رجال المقاومة فقد قتل مجموعة من الحراس الأمنيين النيباليين. وفي مطلع أيلول 2004 جرى خطف ثلاثة مرتزقة مقدونيين تابعين لشركة سوفان الأمريكية. بينما تحدث البريطاني جوف هاريس لهيئة الإذاعة البريطانية موضحا انه فوجئ بسماع نبأ مقتل ابنه أندرو في العراق وهو جندي متسرح من الجيش، وهو (أي الاب) مندهش من وجود ابنه هناك. بينما استهدف كمين للمقاومة قافلة للمرتزقة قرب السفارة الإيرانية يوم 5/7/2005 وهي تقع على طريق تسلكه قوافل المرتزقة في الدخول والخروج إلى المنطقة الخضراء من الباب القريبة على جسر الجمهورية، تم التأكد أن سيارة من سيارات القافلة أصيبت. وفي حادث آخر أعلن ان عنصرا أمنيا يابانيا يدعى كيهيكو سايتو الذي يعمل بخدمة شركة مرتزقة، خطف ثم قتل والذي قالت عنه رويترز انه من مرتزق سابق في الفرقة الفرنسية الأجنبية (34).
ولا عجب فقد نشرت وكالة الأنباء الفرنسية تقريرا في 23/2/2004 أعده مراسلها في بغداد يفيد إن شركات الأمن العالمية التي انتشرت فروعها في بغداد مؤخرا ينتشر فيها أعضاء الفرقة الأجنبية الفرنسية ذات السجل المشبوه، وان معد التقرير التقى بالعديد من هؤلاء المرتزقة وبينهم مرتزقة صربي من مليشيا (فرقة النسور البيضاء) الصربية وهندوس مسرحين من الجيش البريطاني وشرطيون من نظام جنوب أفريقيا العنصري البائد توصلنا إلى معرفة مقتل بعضهم ومنهم هرمان بريتوريوس الذي كان يخدم شركة امن أمريكية وقتل بنيران كمين قرب الموصل,وآخر انفجر تحته لغم قرب الفلوجة في أيار 2004 عندما كان يقوم بواجب الحماية لشخصية عراقية مهمة، وثالث كان يحرس مكانا معينا في ميناء البصرة فأردته اطلاقات مقاوم قتيلا,بينما أرسل مقاوم انتحاري مرتزقاً آخراً إلى مصيره بتفجير في بغداد.
يدل هذا الاستعراض المبتسر لبعض العمليات التي استهدفت العناصر المرتزقة في العراق إنهم مرصودون من قبل رجال المقاومة وان القتل يطالهم إلى درجة إن بعضهم قطع تذكرة سفر للعراق من غير تفكير بالعودة إلى بلاده على حد تعبير وكالة رويترز عندما خرج محرر لها من حوار مع المرتزق الجنوب أفريقي هرمان بريتوريوس قبل أن تصدق نبوءته فيقتل في العراق. أما على مستوى شركات المرتزقة ومشاكلها فان اضطرارها إلى دفع تعويضات ضخمة للمرتزق القتيل زاد من مشاكل البعض منها مادعاها إلى مغادرة العراق، وان خمس منها قامت بتصفية كافة أعمالها هنا وعادت إلى بلدانها قبل حلول العام الحالي، وآخرها ضمن تلك الحقبة كانت:كومبانيا الرومانية وأكزكيوتيف أوف كومس الجنوب افريقية وساند لين البريطانية (35).
وبسابقة فريدة قدم ريتشارد باوتشر تعازيه إلى عائلتي اثنين من المرتزقة قتلا بانفجار قنبلة ألقيت على سيارتهما على طريق بغداد حلة في 12 آذار 2005 بينما أصيب ثالث بجروح وأكد باوتشر إن الثلاثة من العاملين في شركة بلاك ووتر التي تقوم بحماية الدبلوماسيين الأمريكان في العراق، وعدَّ باوتشر قتلهما (باسم الحرية). و يقودنا ذلك إلى تصرف رسمي مهذب آخر مع أولئك المرتزقة إلى الحد الذي جعل رئاسة الأركان البريطانية تجد صعوبة في إلزام الجنود والضباط البريطانيين للبقاء في الجيش وعدم تقديم الاستقالات تمهيدا للالتحاق بشركات المرتزقة العاملة في العراق، خصوصا وان المرتزق المتطوع في صفوف شركات الأمن الخاص العاملة في العراق مثل كرول، وكونترولد ريسكس، وأرمود سيكيوريتي يتقاضى 14 ألف جنيه إسترليني شهريا (قرابة 20 ألف يورو) بينما يتقاضى المنتسب للقوات البريطانية قرابة ألفي دولار (حوالي 3 آلاف يورو) لذا فان بعض القيادات كقيادة القوات الخاصة لم تجد غير أن تغازل الراغبين في مغادرة مواقعهم العسكرية للعمل في تلك الشركات من باب إن بقاءهم في الجيش هو خدمة في مصلحة الجميع وبهذه النغمة خاطبت قرابة 300 جندي لسحب استقالاتهم.
وبخبر مفاجئ في حينه، تبين إن وزير التخطيط في الحكومة المؤقتة المغادرة تعرض للاغتيال مساء يوم 9/3/2005، وان أفراد المجموعة التي نفذت العملية حسب بيان لوزارة التخطيط والتعاون الإنمائي كانوا قد لاحقوا واعترضوا موكب الوزير ثم أطلقوا النار فقتلوا اثنين من أفراد حمايته وأصابوا ثالثا وإنهم (استخدموا أسلحة متطورة وإنهم ذوو مهارة عالية في التصويب فيما كان العتاد المستخدم من النوع المحرم الذي له تأثيرات تختلف عن تأثيرات الاعتدة العادية) وقد لاحظ رجال حماية الوزير إن المجموعة كانت تجري اتصالات لاسلكية بين عناصرها الموزعين على سيارتين. لقد تبين إن اؤلئك العناصر هم من الأجانب المستقدمين كعناصر أمن.
وعقب حادث استهداف الوزير الحافظ بشهر شوهد رتل مكون من أربع من سيارات تحمل أجانب مسلحين فتح أفراده النار على سيارة من نوع رينو قرب جسر السنك كانت تقل شخصين، وسارعت الشرطة العراقية التي حظرت متأخرة كعادتها ما سهل هروب المرتزقة، لنقل الرجلين المصابين بإصابات خطيرة إلى المستشفى ليسجل الحادث ضد مجهول وربما اتهمت المقاومة العراقية بارتكابه.
لقد تعرض كثير من المواطنين الآمنين إلى هجمات من قوافل سيارات يقودها المرتزقة الأجانب، ففي شباط 2004 أضطرت شركة ستيل الامريكة ان عناصرها من المرتزقة قتلوا عراقيين في ضاحية غرب بغداد بحجة الدفاع عن النفس. ولم يفتح تحقيق وطني في الحادث، ألا يكفي ان تلك الشركة الأمريكية (ستيل) كانت مسؤولة عن حماية الرئيس الهايتي السابق أرستيد هي التي وصفت الحادث بالدفاع عن النفس؟ (يشاع ان تلك الشركة رفعت حمايتها عن الرئيس المذكور بإيعاز من السفارة الأمريكية هناك في لحظة مقررة ما مكن قوة خاصة من مداهمته ونقله بطائرة خاصة إلى المنفى) (36).
أما مكانة المرتزقة في العراق فإنهم يتمتعون بحظوة فريدة من نوعها خاصة من قبل القوات الأمريكية التي تخطط لإناطة دور مهم برجالها الأجراء، وليس أدل على تأبين باوتشر لقتلاهم. فثمة مرتزق صربي لم يكن يحمل أكثر من رتبة جندي قناص في صربيا يدعى (ميشا) منحته القوات الأمريكية شارة خاصة يعد بموجبها حاملا لرتبة عقيد ويتمتع بصلاحيات تلك الرتبة عند تردده على معسكرات الجيش الأمريكي، وانه بطريقة أو بأخرى استحوذ على سيارتين فاخرتين احداهما بورش والأخرى فيراري كانت لعدي ابن الرئيس السابق وهو يشاهد في شوارع بغداد يتجول بواسطتها.. ترى أي نوع من الخدمات الدموية قدم هذا المرتزق ليحظى بهذا التكريم المتميز؟. أما الحكومة البريطانية التي تعاني من نزيف في بعض مفاصل قواتها العسكرية جراء تسرب عناصرها نحو شركات المرتزقة العاملة في العراق كما مر بنا، فإنها على الرغم من التصريحات المعلنة المضادة للعمل الارتزاقي بشكليه القديم والجديد رأت إن من الأسلم لبعثتها الدبلوماسية في بغداد إناطة حمايتها بواسطة شركات المرتزقة، ولهذا السبب فقد خصصت 15 مليون جنيه إسترليني لتأمين تلك الحماية.
الان وبعد المصير الغامض للسفير المصري واختطاف اثنين من البعثة الدبلوماسية الجزائرية في بغداد واحتمال تصفيتهما، وجرح القائم بالأعمال البحريني ومقتل سكرتير في السفارة الإيرانية وغير ذلك من أعمال تعرضت لها سفارات أخرى كالتركية والإيطالية وسواها، وبضوء لجوء بريطانيا إلى التعاقد المجزي مع شركات المرتزقة طلبا للحماية على الرغم من إنها صاحبة ثاني تواجد عسكري في العراق.. يمكن تصور رواجا جديدا واسعا لهذه التجارة القذرة في العراق.
ولكن إذا ما علمنا إن إحدى شركات المرتزقة وهي شركة آرينس للأمن كانت مسؤولة عن تأمين الحماية لخطوط أنابيب النفط بموجب عقد موقع مع وزارة النفط العراقية، فلنا أن نتساءل باتجاهين، الأول ماذا حققت تلك الشركة من أمن لتلك الخطوط التي ما انفكت تقصف باستمرار؟والثاني الم يكن جديرا بالحكومة تأليف قوة عراقية لحماية تلك الأنابيب خصوصا وان الراتب الشهري للجندي أو الشرطي العراقي لا يتعدى أربعمائة دولار شهريا، ففي ذلك استقطاب للأيدي العاطلة عن العمل واقتصاد في هدر ثرواتنا إضافة إلى تخليص البلد من شراذم أعتى المجرمين الدوليين الذين لا يصمد أمامهم أي رادع قانوني أو أخلاقي؟.
وبالفعل فقد تحول العراق إلى كنز ثمين لهؤلاء المجرمين والمطلوبين عالميا الذين لو كشفت أسماؤهم الحقيقية للانتربول لسارع لإلقاء القبض على أغلبهم. فالمرتزق الذي كان في بلاده يلجأ إلى الاستدانة ليعيش صار هنا يتقاضى مبالغ طائلة (بعضهم ممن تولى حماية الشخصيات المهمة يتقاضى 1500-2000 دولار يوميا) ولكنهم لم يكتفوا بكل تلك الامتيازات المالية التي لا يحظى بها وزراء بلدانهم، وإنما أسسوا عصابات للجريمة المنظمة في بلد غاب فيه القانون وانشغل فيه رجال الحكومة بالحصول على المغانم فنسوا الأمن ومستلزمات العيش الكريم للمواطن، حتى إن بعض المجرمين الصرب الهاربين من المحكمة الجنائية الدولية والمتسترين في العراق بأسماء مزيفة ضمن صفوف شركات المرتزقة ومجرمي شرطة نظام الفصل العنصري لجنوب أفريقيا وغيرهم مارسوا تجارة المخدرات والرقيق الأبيض وادراة بيوت الدعارة، وإنهم انشؤوا شبكات (طبية) تقوم باختطاف الأشخاص وخاصة الأطفال لاستئصال الأعضاء البشرية المطلوبة طبياً مثل الكلى والكبد وقرنية العين وأعضاء أخرى للمتاجرة بها، وان بعضهم مهر في تجارة الآثار الثمينة لبلاد الرافدين (37). وتوثيقا لذلك فان أياد علاوي عندما كان يرأس الحكومة المؤقتة طلب من جاك سترو وزير خارجية بريطانيا (الذي سيتعاقد مع المرتزقة) مساعدة حكومته في إيجاد وسائل للجم هؤلاء المرتزقة كما نشرت جريدة تايمز في عدد 28/8/2004 ما حمل سترو كما تنقل الجريدة على عرض الأمر على حكومته مقترحا إيجاد ضوابط للسيطرة على هؤلاء المرتزقة، فالامر ليس سهلا كما بينت تايمز بالنسبة لأعداد هائلة من المرتزقة لا تستطيع الحكومة العراقية أن تقف على حقيقتها، ذاكرة إن رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي لمح في وقت سابق إلى إن عدد هؤلاء المرتزقة الذين سينتشرون في العراق قد يصل إلى مائة ألف (38) مرتزق خلال سنة لاحقة لحماية المصالح الاقتصادية والدبلوماسية ورجال الأعمال، لتحرير قوات التحالف من تلك الالتزامات، وهو ما قدمنا له بان القوات الأمريكية تأمل في إناطة مهام خطيرة في العراق بالمرتزقة.. ولتدفع خزينة العراق ما خزنت من مال لاعمار البلد هبة لهؤلاء المرتزقة وليصبح البلد على كف عفريت لا يعلم إلا الله أين سيذهب به وماذا يراد له.
أما الرسميون العراقيون (أغلبهم محاط بعناصر من المرتزقة الأجانب لتأمين حمايته الشخصية) فإنهم يحاولون التقليل من الرقم الأمريكي إذ أعلن عدنان الاسدي وكيل وزير الداخلية في الحكومة المؤقتة إلى إن عدد المرتزقة الذين أسماهم عناصر الأمن في الشركات الخاصة يبلغ خمسين ألف ينتظمون في 60 شركة أجنبية معترفا إن ذلك (جيش كبير، وهو الثمن الذي ندفعه للاحتلال) (39). فعندما قدر بيتر سنجر الباحث في معهد بروكنز والخبير بشؤون المرتزقة والذي سبق له وان ألف كتابا بعنوان (مقاتلو الشركات:ظهور الجيوش الخاصة) عدد المرتزقة العاملين في العراق بعشرين ألف مرتزق تابعين لخمس وعشرين شركة أجنبية قال عنه (في العراق اليوم أكبر جيش مرتزقة في التاريخ) (40) فما بالك بخمسين ألف والرقم مرشح لان يصل إلى 100 ألف؟. وتقول جريدة الحياة (إن نحو 500 فتاة تعمل مع هؤلاء المرتزقة في العراق في أوضاع شاذة وغير مطمئنة) وبينت الجريدة ان فرقا تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية هي التي تسيطر عليهم وتشرف على تعيينهم واستقدامهم وأماكن وجودهم وسكنهم) (41). وعن ضوابط عمل هذه العصابات فان ريتشارد فيننغ مدير شركة كونترول ريسكس غروب التي تنتشر في 130 بلدا منها العراق يقول مجاملا مطمْئِنا (ليس هناك تشريع دولي وربما سنحتاج إلى مثل هذا الإجراء).
فالتاريخ الأفريقي المعاصر يثبت إن كل الدول الأفريقية التي كانت لها أنظمة وجيوش وكيانات راسخة احتلت بواسطة مئات من المرتزقة الأجراء، وان بوب دينار وشتينر وبانكس وغيرهم لم يكونو يملكون غير أعداد قليلة من المرتزقة غيروا بواسطتهم وجه تاريخ دول كاملة بل قارة بمجملها، فكيف بالعراق الذي ليس فيه أية منظومة وطنية للامن متكاملة يعيث فيه مائة ألف مرتزق فسادا ويتحكمون بموارده ومقدراته؟إلى هنا
وقبل أن نغادر المأساة العراقية ثمة أمر جدير بالمناقشة، ألا وهو التلاعب بمقدرات الشعب العراقي وسرقتها من قبل هؤلاء المجرمين المحترفين وخاصة الأمريكان منهم سواء بمساعدة محلية أو بدونها. فلقد ثبت قيام أصحاب بعض تلك الشركات بالتحايل والتدليس وسرقة أموال الشعب العراقي بطرق فنية وأساليب متقنة. فمثلا لو استحضرنا قضية التحايل التي أثيرت ضد شركة كوستر باتلز الأمريكية للمقاولات الأمنية التي تتخذ من رود أيلاند والتي أناط بها بول بريمر خلال إشغاله منصب الحاكم الأمريكي في العراق مهمة حماية مطار بغداد إضافة إلى مهمة أخرى تتعلق بالتموين والنقل وعقود أخرى اقل أهمية، فقد ثبت لاحقا إن الشركة كانت تعمل بأساليب احتيالية تمكنت من خلالها من سرقة مليارات الدولارات من قوت الشعب العراقي ما دعا إلى إقامة دعوى ضدها في المحاكم الأمريكية بموجب قانون (مزاعم الاحتيال) الأمريكي من قبل موظفين في تلك السلطة حاولوا رد اتهامات نحوهم بالتحايل.. ولكن القضاء الأمريكي الذي يجيد اختلاق المبررات لمثل تلك الحالات طالما إن المستفيد أمريكي وجد ما يبرر عرقلة للقضية من خلال أثارة تساؤل رئيسي أثير في المحكمة الفيدرالية الأمريكية حول القضية بخصوص الصفة القانونية لسلطة الاحتلال التي كان يرأسها بريمر والتي هي الجهة التي وقع عليها النصب والاحتيال وما إذا كانت تلك السلطة خاضعة للقانون الأمريكي من عدمه ما حفز محامي الشركة جون بويزي على مطالبة المحكمة برفض الدعوى كونها تحتوي على خلل بشكل شديد فالضحية هنا سلطة التحالف وليس الحكومة الأمريكية التي لا ينطبق عليها القانون الأمريكي إضافة إلى ادعائه إن مقيمي الدعوى لهم مصالح معينة كونهم نافسوا الشركة في بعض مكاسبها (!!).. لذا فان تأجيل النظر بالقضية الذي أعلن يوم 12 تموز 2005 ربما كان الخطوة الأولى نحو غلقها لصالح الشركة التي كانت تتقاضى جزءا من عمولتها نفطا عراقيا خاما مع إنها كانت تقوم بحماية الجنود والقوات الأمريكية في مطار بغداد وتؤمن حماية قوافل إمداد تلك القوات. لاحظ إنها شركة أمريكية وتؤمن الحماية للأمريكان وقامت بالتعاقد مع الأمريكان وتحايلت عليهم والضحية الحقيقية في كل هذا النصب والاحتيال هو الشعب العراقي المغيب عن العملية تماما وثرواته المهدورة.
إن التاريخ المريب لهذه الشركة يوضح طبيعة تلك الشركات التي تتمتع بدعم وحماية أمريكية ملموسة، فهي أسست قبيل غزو العراق من قبل ضابطين متقاعدين هما سكوت كوستر ومايك باتلز اللذين لم يكونا وقت تسأيس الشركة يملكان من المال والخبرة ما يكفي للنهوض بها. وحالما توجها إلى العراق خلال فترة الفوضى التي أعقبت الغزو فقد انفتحت امامهما كل أبواب الثراء، إذ رست عليهما مجموعة من العقود التي غيرت حالهما وجعلتهما يقفزان فورا إلى مصاف الأغنياء، الأمر الذي شجعهما على الدخول في مجالات أوسع منها المساهمة في تقديم العون لتسهيل عملية تغيير العملة العراقية القديمة بالعملة الحالية، ونظرا للرغبة السريعة بالكسب الاوسع فقد اتضح إن الرجلين فتحا مكاتب لشركات وهمية في العراق وقدما إيصالات ووثائق مزورة تمكنا بموجبها من سرقة ثروات عراقية تبلغ مليارات من الدولات.
وخلاف ذلك فانه عندما يكون المتضرر من تحايل الشركات أو تقصيرها في العمل طرفا أمريكيا فان الكونجرس يعقد جلسات خاصة لتابعة الأمر كما حصل مع إحدى شركات المرتزقة وهي شركة إيجس للخدمات الدفاعية المتحدة والتي تضمن التقرير الفصلي للمفتش الأمريكي المختص بإعادة اعمار العراق sigir والصادر في 30/1/2005 ملاحظات سلبية عنها. فقد الكونجرس في مطلع تموز 2005 بأن الشركة مقصرة، فهي لم توفر أفضل مستلزمات الحماية والأمن لموظفي الإدارة والتعهدين والمقاولين الأمريكيين كما يتضمن العقد.
نمط آخر في أفغانستان
كنا قد لمحنا خلال التطرق إلى محاولة بول ولفوويتز الحصول على تخصيصات مالية لإنشاء شبكات من المليشيات المرتزقة إلى وجود فعلي لعناصر من المرتزقة في دول عديدة منها أفغانستان، وتلك هي فضيحة الأمريكان الثلاثة الذين عثر عليهم في أفغانستان يديرون سجنا خاصا هو دليل على ان بامكان هؤلاء المرتزقة المجرمين الحصول على مخابئ يمارسون فيها جرائمهم بحق الإنسانية فهؤلاء، وهم جوناثان أديما وبرنت بينيت وادوارد كالابالو، كانوا يقومون يمارسون احتجاز وتعذيب مواطنين أفغان في العاصمة الأفغانية كابل وربما مارسوا الحصول على أعضاء بشرية من ضحاياهم للمتاجرة بها وبذا فان نمطا جديدا مثيرا من المرتزقة الجدد يظهر مثيرا لكثير من الدهشة والتساؤلات.
والادهى إنهم ادعوا إن لهم ارتباطا بوزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد كما ورد في إفادة أديما يوم 21/7/2004، وبصرف النظر عن إنكار هذا الوزير المفعم بالسادية والذي ينضح كذبا، فان قيادة القوات الأمريكية في أفغانستان اعترفت فيما بعد إنها استلمت في وقت سابق مواطنا أفغانيا من أديما كان يحتجزه في سجنه الخاص. لقد استفز نبأ قيام هؤلاء المرتزقة بتعذيب سجناء منظمة الصليب الأحمر الدولي ما دعا كلود فوالا أحد خبراء المنظمة لان يطالب بمعاقبة هؤلاء المرتزقة عن هذا الفعل الإجرامي، ولكنه سكت ولم يسمع له ما يعزز طلبه الإنساني منذ العام الماضي.
عالمية المشكل
ليس العراق وأفغانستان وبعض الدول الأفريقية هي الساحة الأكثر بروزا والاكثف نشاطا لعمل عصابات المجرمين المأجورين المتمثلة بالمرتزقة سواء القدماء منهم أو الجدد الذين أخذ عملهم يقترب من تسامح وقبول الصيغ القانونية بعدما انتظموا في شركات مصرح بعملها على وفق تلك النصوص.. فالمشكلة عالمية، وان استخدامهم بالشكل الحالي في العراق وأفغانستان جديدا وكأنه قفز من أفريقيا ليطال هذين البلدين، بمعنى انه سيطال بلدان أخرى وسيقضي على المزيد من الأبرياء على أيدي هؤلاء القتلة المأجورين.
لهذا السبب ولغيره سارع معهد الدراسات الدولية العليا الذي يتخذ من جنيف مقرا له، إلى إجراء دراسة توصل من خلالها إلى إن مابين80-108 ألف إنسان قتل خلال سنة 2003 بواسطة الأسلحة الفردية والخفيفة، وان 90%من هؤلاء الضحايا كانوا بسبب صراعات مسلحة. ومع تحفظنا على تلك الأرقام إذ إنها بكاملها أقل مما خسره العراقيون وحدهم خلال ذلك العام، ولكننا نرى فيه على قصوره، جهدا إنسانيا طيبا.
بضوء ذلك ولما كان العدد المقدر للأسلحة الفردية والخفيفة المتداولة بين أيدي الناس الآن تزيد على 600 مليون قطعة سلاح، فان الحكومة السويسرية عمدت في 15/7/2005 إلى تقديم مشروع قانون دولي مقترح إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحد من تداول تلك الأسلحة وتحجيم الكمية المتداولة منها بين بني الإنسان عن طريق إتاحة الفرصة لتتبع أثرها ومعرفة أماكن تواجدها ومنع تهريبها أملا في الحد من هدر أرواح الأبرياء. فهل إن ذلك القانون فيما لو شرع وبفرض ان الولايات المتحدة التي سيكون ممثلها في المنظمة الدولية الرجل الأكثر عدوانية (بولتن) ستوافق عليه، سيتمكن من الحيلولة دون حصول عصابات المرتزقة على الأسلحة الفتاكة التي توجهها للأبرياء بقصد الاستمتاع بقتلهم خصوصا وان تلك العصابات صارت شركات مرخص لها العمل العسكري وحيازة وتداول الأسلحة الحديثة والمتطورة التي كان بعضها قد وجه إلى وزير التخطيط العراقي السابق؟
لقد كانت الأمم المتحدة المسؤولة عن السلام والأمن الدوليين سباقة في بحث أمر هذه الآفة الفتاكة التي تعيث في الأرض فسادا. فالمنظمة التي كانت قد أصدرت قرارا عن الجمعية العامة في العام 2002 بخصوص المرتزقة، عقدت ثلاث اجتماعات مقرها الأوربي في جنيف بين 2001 و2004 حضرتها المقررة الخاصة لحقوق الإنسان (شيستا شميم) مع فريق مكون من أحد عشر خبير هدفها وضع ضوابط وإجراءات تنفذ من قبل الدول الأعضاء لمراقبة الأنشطة التخريبية والهدامة للمرتزقة، بما يكفل صيانة وضمان حقوق الإنسان في محيط عمل هؤلاء، على الرغم من أن الشركات المرتزقة تحاول إظهار إن مرتزقتها ليس من النوع التقليدي الذي كان يلحق الضرر بحقوق الإنسان وكرامة مواطني الدول التي يعملون فيها، وان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عين إنريك باليستروس لبحث هذه الظاهرة المقرفة بشكلها الحالي (تحول المرتزقة من الأسلوب التقليدي إلى تنظيمات تجارية على شكل شركات) إحساسا بضرورة إيجاد ضوابط ضمن القانون الدولي تضبط سلوك واداء المرتزقة وشركاتهم، وقد لمس الرجل طبيعة العمل المخادعة التي تنتهجها تلك الشركات معبرا عن رأيه بقوله (ما يثير قلقي هو غياب أي ضمانات لاحترام شركات الارتزاق لحقوق الإنسان، خاصة وان هدفها بالأساس هو الحصول على المال فقط، بالإضافة إلى تعامل تلك الشركات مع المآسي الإنسانية بمنطق المقاولة) (42). وثمة مسؤول آخر في الأمم المتحدة قال لمراسل الأهرام (بالرغم من تأكيدات تلك الشركات بأنها تحترم القانون الدولي وقوانين وعادات الدول المتعاقدة معها، إلا انه من الصعب تصديق ذلك في صناعة لا تحترم ولا تعطي إلا المكسب فقط، بالإضافة إلى صعوبة محاسبة تلك الشركات على أي انتهاكات في ظل تغيير القبعات والأعلام التي تمارسها تلك الشركات طوال الوقت، بمعنى سهولة قيام تلك الشركات بإعادة تسجيل نفسها في دول أخرى وبجنسيات مختلفة) (43).
المخاوف العراقية المشروعة
إن وجود هذه الإعداد الهائلة من المجرمين العالميين في العراق هو مصدر خطر متعدد الجوانب، وهو داعي خوف غير طبيعي على أمن البلد ومستقبله وسلامة نسيجه الاجتماعي خصوصا وان الحكومة عاجزة عن السيطرة عليهم بدليل تشكي مسؤوليها لدى الدول ذات الهيمنة على الملف العراقي كبريطانيا.. فهؤلاء سينشرون الجريمة والمخدرات في عموم البلد إضافة إلى ممارستهم القتل المتعمد بهدف المتعة والتلذذ، هذا إن لم يكن هنالك خطر سياسي تتكامل صورته باستحضار جرائمهم في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وما مثال غينيا الاستوائية منكم ببعيد.
ان الحل الوحيد هو التخلص منهم بأسرع وقت وإناطة المهمة بالرجال الإشراف الذين أفنوا شبابهم في الدفاع عن وطنهم العراق، ألا وهم رجال الجيش العراقي ورجال الشرطة الذين تعامل معهم الحاكم الأمريكي بريمر بطريقة عدوانية وتشفّى بذلك رجال السلطة التي عينها بريمر ومن جاء إلى الحكم بعدهم فعملوا على إذلالهم إلى درجة إن الضابط برتبة لواء يتقاضى راتبا مقداره مائة وعشرين دولار شهريا فقط وهو ربع ما يتقاضاه الجندي، ويسمون ذلك (معونة) في وقت ينهب فيه المجرمون العالميون ثروات البلد ويحولونها إلى ودائع واسهم في البلدان الأخرى، ويعرضون امن وسلامة ومستقبل البلد إلى مخاطر هائلة، إنه أمر نبه إليه ابن خلدون قبل سبعة قرون. أفليس ذلك مدعاة للمساءلة القانونية؟

ميدل ايست اونلاي
حسن عبيد عيسى
باحث عسكري عراقي

أضف تعليق