هيئة علماء المسلمين في العراق

(الثعلب وابنه) - جهاد الخازن
(الثعلب وابنه) - جهاد الخازن (الثعلب وابنه) - جهاد الخازن

(الثعلب وابنه) - جهاد الخازن

ثمة قصة لا تفارقني عن ثعلب وابنه يقتربان من قرية فيراهما القرويون ويطاردانهما بالحجارة. ويسأل ابن الثعلب أباه وهما يفران: بابا لماذا يعاملنا الناس بهذا الشكل؟ ويرد الثعلب الأب: بابا الناس سيئون ولكن نحن لسنا طيبين أيضاً». قصة الثعلب وابنه والناس عادت اليّ وأنا أتابع تدهور العلاقات بين حكومة العمال وبعض الصحافة البريطانية من جهة، والمسلمين البريطانيين من جهة أخرى، فقد دارت هذه العلاقات 180 درجة منذ 1997، وما بدأ كشهر عسل بين الجانبين تحول الآن الى قطيعة ومشروع طلاق.

في 1997 صدر تقرير رسمي بريطاني بعنوان «اسلاموفوبيا: تحدٍ لنا جميعاً»، وقال إن الاسلاموفوبيا تعني الخوف من الاسلام، أو التخويف منه، أو كره المسلمين وثقافتهم، وبعد الانتخابات العامة في 1997 دخل مسلمون مجلس اللوردات وأصبح هناك نواب عمال مسلمون، وساعدت الحكومة على فتح مدارس للمسلمين على غرار مدارس الانغليكانيين والكاثوليك واليهود.

اليوم تريد الحكومة البريطانية من الجامعات أن تتجسس على الطلاب أصحاب «الملامح الآسيوية» والطلاب المسلمين الذين يشتبه بأنهم «يشاركون في تطرف اسلامي ويؤيدون العنف الإرهابي».

وثيقة الحكومة البريطانية الى الجامعات وقعت في 18 صفحة، وطالبت بمراقبة الجمعيات الاسلامية التي تدعو خطباء راديكاليين أو واعظين الى الحرم الجامعي، «وهؤلاء عادة ما يكونون فصحاء ومقنعين، ويستطيعون ملء فراغ عند الشبان المسلمين سببه شعور الانقطاع عن جيل والديهم...».

اذا جردنا الوثيقة من الكلام المنمق فهي تطلب من ادارة الجامعات والاساتذة التجسس على بعض طلابهم، لذلك قام من اتهم الحكومة بالمكارثية في التعامل مع الطلاب المسلمين.

المسلمون البريطانيون ردوا بحدة على الوثيقة، إلا أنه فات اكثرهم أن هذا الموقف ليس جديداً، ففي 20 من الشهر الماضي ألقى وزير الداخلية جون ريد خطاباً في المسلمين البريطانيين طالب فيه الآباء بمراقبة ابنائهم وملاحظة ما اذا كان يبدر عنهم أي تصرف راديكالي أو متطرف، وحذر من أن المتشددين يحاولون غسل دماغ الصغار لتنفيذ عمليات انتحارية.

ما يطلب جون ريد في الواقع هو أن يتجسس الأهل على ابنائهم.

لا يحتاج الانسان الى تفكير طويل ليعرف كيف انقلب الوضع بين الحكومة والمسلمين البريطانيين، فنقطة البداية للعد العكسي لا بد من أن تكون 7/7/2005، أو ذلك الارهاب البشع ضد وسائل النقل الذي أسفر عن سقوط 52 ضحية.

قيادات المسلمين البريطانيين دانت ذلك الارهاب وتبرأت من الانتحاريين المنفذين، غير ان استطلاعاً للرأي العام أظهر أن 13 في المئة من المسلمين البريطانيين يعتبر الارهاب مبرراً. وعندما جرى استطلاع آخر بين المسلمين بعد حوالى سنة من الارهاب أظهر أن نسبة المؤيدين ارتفعت الى 23 في المئة، وهذا يعني بعملية حساب سريعة أن 370 ألف مسلم بريطاني من أصل 1.6 مليون يؤيدون الارهاب. وبما أن بعض المصادر يرفع عدد المسلمين البريطانيين الى حوالى مليونين فإن عدد المؤيدين يزداد بنسبة مماثلة.

هذا غير مقبول في أي بلد، ولا يكفي أن يعتبر المسلمون البريطانيون حكومة بلير مسؤولة عن الحرب على افغانستان والعراق، ويجدون في ذلك مبرراً لقتل مدنيين أبرياء. وكانت الجماعات الاسلامية في بريطانيا أشارت الى هذه العلاقة في رسالة مفتوحة الى الحكومة وقعها ثلاثة نواب مسلمين من العمال وثلاثة من أعضاء مجلس اللوردات وممثلو 38 جماعة اسلامية، وربطت بين الارهاب وشعور مسلمين كثيرين بأن السياسة الخارجية البريطانية غير عادلة ما يقوي موقف المتطرفين.

وزير الداخلية جون ريد دان الرسالة ورأى أنه لا توجد حكومة تقبل أن يملي عليها الإرهابيون سياستها، وهذا صحيح أيضاً، إلا أنه نصف الصورة، فنصفها الآخر أن السياسة الخارجية البريطانية تمثل تبعية كاملة ذليلة للسياسة الأميركية، ما يعني تأييداً كاملاً لإسرائيل على حساب أرواح الفلسطينيين واللبنانيين وغيرهم. وقد رأينا نموذجاً من خلل هذه السياسة في عدم طلب رئيس الوزراء توني بلير وقف اطلاق النار في حرب اسرائيل على لبنان لأن الادارة الأميركية لم تطلبه، والنتيجة أن البريطانيين وأركان حزبه تحديداً، ثاروا عليه، حتى اضطر أن يعلن أنه سيتخلى عن رئاسة الوزارة السنة المقبلة، ففي كل خبر قرأته عن الحملة على بلير كانت هناك اشارة الى لبنان.

توني بلير انتهازي بامتياز، وقد بنى جسوراً مع المسلمين البريطانيين بعد 1997 عندما وجد أن ذلك يفيده وحزبه، وابتعد عنهم هذه السنة عندما رأى الناخبين البريطانيين يثورون عليهم بسبب رفض غالبية منهم التعددية الثقافية التي كان يفترض أن تكون هدف المجتمع البريطاني.

ولا يمكن هنا أن نلوم البريطاني غير المسلم على موقفه، فنحن أمام قصة الناس والثعلب وابنه من جديد، واستطلاع أظهر أن 40 في المئة من المسلمين البريطانيين يريدون أن يكونوا تحت حكم الشريعة لا حكم القانون البريطاني، ويفضلون أن تخضع المناطق حيث توجد غالبية مسلمة للشريعة. وقد فهم البريطانيون الآخرون أن المسلمين لا يريدون الاندماج، وركبت حكومة العمال الموجة. وأكمل غداً.

الحياة

أضف تعليق