على الرغم من أن مكة المكرمة هي بلا خلاف، أقدس بقعة على وجه الأرض عند كل المسلمين من السنة والشيعة، إلا أن الوثيقة التي أمضى عليها عدد مهم من الرموز العلمية في العراق والتي سعى لأجل تحقيقها وصياغتها، عدد كبير أيضاً من المخلصين هدفهم حقن الدماء، منهم فريق من السنة وآخرون من الشيعة أيضاً، من الذين لم ينخرطوا – بعد - في سفك الدماء المحرمة، لن تكون بكل تأكيد، الحل الذي في مقدوره أن يضع حداً لشلال الدم العراقي حتى وإن كان من حقنا أن نقول عنها إنه جاءت لتكون بمثابة سحب لبساط الشرعية الدينية من تحت أقدام المتاجرين به لأغراض سياسية تسلطية بحتة.
يقودنا هذا إلى التساؤل عن مستقبل العملية السياسية في هذا البلد إذ من الواضح أن هذه الوثيقة على الرغم من وزنها ودلالاتها الأخلاقية، ليست ورقة عمل وجدول تحرك بمعنى أنه من الطبيعي لكل متابع للوضع العراقي الآن أن يطرح التساؤل المهم التالي: هل في وسع حكومة رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي أن تحوّل هذه اللبنة الأولى إلى أساس يقوم عليه البنيان الصحيح؟
لكن: هل استطاعت حكومة بغداد أن تستعيد الأمن في ربوع البلد؟ أم أن الواقع هو عكس ذلك تماما؟ لا يحتاج المتتبع إلى كبير إدراك وعظيم إطلاع حتى يتوصل إلى القول أن هذه الأخيرة فشلت في نزع سلاح الميليشيات، فضلاً عن أنها فشلت في إحداث أية إصلاحات اقتصادية، بالإضافة لعدم قدرتها لحد الساعة من أن تعيد خط سير البطالة الآخذة في الارتفاع بشكل جنوني، إلى وضعه الطبيعي أو المقبول على الأقل.
زيادة على ذلك، لا تخطئ العين أن وزارة الداخلية العراقية الحالية، تزدحم برجالات الميليشيات الشيعية المسلحة على تعددها، بمعنى أن الوضع لم يتغير عما كان عليه إبان عهد الحكومة السابقة التي كان على رأسها إبراهيم الجعفري. أما الشرطة العراقية فالتقارير المتواترة تجمع على أنها باتت تحت سيطرة تلك المجموعات نفسها فهم صاروا يستخدمون معداتها وزيها الرسمي بل وحتى ميزانيتها، لأجل قتل غيرهم من الذين يخالفون مذهبهم وسياستهم.
أما الجيش فإنه على الرغم من أنه ما يزال لحد الساعة، على ضوء التقارير الغربية، يتشكل أساساً من أبناء الطائفة السنية إلا أن التشريعات سنت بطريقة أفرغت هذا الجهاز الأخير من أي تأثير أمني فأفراده يجوبون شوارع المدن ولا يملكون الحق في التدخل إلا بإذن خاص من قيادة الاحتلال، وليس غريباً إذن أن تسجل الأرض العراقية مع هذا، يومياً مقتل ما معدله نحو مائة شخص، ويرتفع عدد الضحايا شهرياً بالتالي إلى 3000 فرد وإن كانت هذه الأرقام غير دقيقة بشكل كامل لأن الأخبار في الأيام الأخيرة مثلاً حملت إلينا أنه قد قتل في عملية تفجيرية واحدة في الموصل ما لا يقل عن 50 شخصاً بالتزامن مع إعلان شرطة بغداد على أنها اكتشفت في الليلة التي سبقت هذا الخبر، 33 جثة في أنحاء متفرقة من العاصمة لأناس مقتولين تقريباً بالطريقة نفسها: رصاصة في الرأس، ويدان مغلولتان في دلالة واضحة على أن ما يحدث هناك هو بكل المعايير: حملات تصفية مبرمجة ومقننة لأنه من غير المعقول لنا أن نقبل التفسير الذي يقول إن الحكومة ومعها قوات الاحتلال، لم تتمكن من رصد مرتكبي هذه الأعمال في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الأمريكية نفسها عن أن بغداد لوحدها تضم ما لا يقل عن سبعين ألف عنصر أمن ما بين عراقي ومحتل.
الواقع أن المهمة الأساسية التي جاء، أو بالأحرى، جيء بالمالكي لأجلها والتي هي القضاء على تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين لم تتحقق على الرغم من أن الأيام الأولى من عمر هذا الأخير صادفت مقتل أمير هذا التنظيم سابقاً، ويتعلق الأمر هنا بأبي مصعب الزرقاوي، ولكن الشهور التالية لم تحقق المطلوب لأن الذي وقع هو العكس تماماً فالتنظيم تقوى بشكل أكثر وها هو يعلن قبل أيام قليلة قيام 'الإمارة الإسلامية بالعراق' بقوّاته في العراق، فإن هذا لن يعني بالضرورة أن أمريكا سوف تعجل بالخروج من هناك بدليل أنها قررت مؤخراً استدعاء كل خبراء العسكرية والسياسية فيها على أمل رسم خطط صالحة للتطبيق في الأمد المنظور على الأقل بمعنى أن الإدارة الحالية لا تفكر وفقاً لما يمليه عليها الانطباع العام لديها مع استطلاعات الرأي هذه التي تتحدث عن أن ثلثي الأمريكيين باتوا متأكدين من أن بلادهم إنما هي بصدد خسارة حربها على العراق بالتزامن مع تكفل بوش بنفسه هذه المرة على أن يصرح بأن ما يحدث هو نسخة 'شبيهة إلى حد بعيد' بما وقع في فيتنام.
من هنا فإنه في مقدورنا أخيرا أن نستنتج أن نوري المالكي وحكومته محكوم عليهم بالذهاب والاستقالة قبل الإقالة لأن واشنطن التي قررت أن تغير من استراتيجيتها في العراق، لن تسمح بأن يواصل هذا الرجل الظهور لسبب بسيط مفاده أن هذا الرجل يمثل مرحلة قال عنها مستشار كتابة الدولة فرنانديز على قناة الجزيرة بالحرف الواحد: "لقد كانت مرحلة مليئة بالغطرسة والغباء"!!.
بديهي إذن أن تكون أولى لبنات إزاحة هذا الغباء، وإن كان ذلك سيكون من خلال فرض غباء آخر بلا ريب!!، أن تعمل واشنطن في سبيل تحسين صورة الحكومة العراقية القادمة، ولا بأس مع ذلك بقبولها أن يتطور دور الطائفة السنية وتشجع رموزها على الدخول في العملية السياسية التي لا شك في أن أمريكا سوف تبذل كل ما تبقى لديها من سلاح وموارد مالية في سبيل إنجاحها بعد أن أثبتت الشهور الثلاثة والأربعون التي هي عمر الاحتلال لحد الساعة، عدم جدوى السلاح والترهيب حينما يتعلق الأمر بمقاتلة أناس يدافعون عن شرفهم وأرضهم ودينهم؟!!.
الإسلام اليوم
وثيقة مكة وحكومة المالكي.. من يغلب؟!.. عبد الحق بوقلقول
