لم يعد هناك شك لدى المراقبين بأن الولايات المتحدة في مأزق حقيقي في العراق، لأن البقاء كما الخروج خياران مران للإدارة الأمريكية. البعض يقول إن بقاء قوات الاحتلال لا يساعد على خلق الاستقرار في البلد، كما أن الخروج منه قد يؤدي إلى الاقتتال الداخلي، أو إلى الحرب الأهلية.
وإذا كان الخياران بهذه المرارة للولايات المتحدة، فليس للأسباب التي سيقت آنفاً. صحيح أن وجود القوات الأمريكية لا يساعد على الاستقرار في العراق، ولكن الإدارة لا تفكر بالهرب منه لأنها معنية بالاستقرار، لأنها منذ اليوم الأول لاحتلالها قامت بكل الخطوات التي خلقت الفوضى والاضطراب في جوانبه. ولو بقيت الأمور عند هذا الحد لما اكترثت كثيراً، فآخر ما تهتم به هو مصلحة البلد المحتل، أو رأي المجتمع الدولي أو مشاعره. ولو كان للأخير وزن في حساباتها لما شنت الحرب أصلاً، حيث انتفض المجتمع الدولي، حكومات وشعوباً، ضد الحرب قبل وقوعها. ومع ذلك مضت الإدارة الأمريكية في حربها معللة ذلك بالقول إن مصالحها هي التي تحدد قراراتها وليس ما يراه العالم من حولها.
ما يجعل الإدارة الأمريكية تفكر جدياً في الانسحاب من العراق هو النتائج المترتبة على خسائرها البشرية والمادية. حتى الخسائر بحد ذاتها ليست سبباً للتفكير في الانسحاب لو لم تثر ثائرة المجتمع الأمريكي. حجم الخسائر بدأ يبلور رأياً مضاداً للحرب قد يؤثر في الاستقرار في الولايات المتحدة نفسها. وهذا أيضاً جزء مما عناه الرئيس الأمريكي حينما وجد مجالاً للمقارنة بين ما حصل في فيتنام وما حصل في العراق.
لقد ولدت الحرب في فيتنام صراعاً داخلياً مريراً في المجتمع الأمريكي، وهو ما تخشى حصوله في حال استمرت الحرب في العراق على نمطها الحالي أو تزايدت وتيرتها. وعدم الاستقرار داخل الولايات المتحدة يقلق النخبة لأنه يضعف سيطرتها على الشعب، ويجبرها على القيام بتنازلات داخلية. لذلك بدأت الأصوات المؤيدة سابقاً للحرب في كلا الحزبين ترتفع مطالبة بجدولة الانسحاب.
ومرارة الانسحاب من العراق لا تنبع من كونه يؤدي إلى الاقتتال الداخلي في بلاد الرافدين، فمظاهر هذا الاقتتال لم تحدث إلا في ظل احتلالها، وبسبب سياساتها، وهو آخر أمر تهتم به. بل إن بعض سياسيي الإدارة الأمريكية دعوا إلى ما سموه “الفوضى الخلاقة” في الشرق الأوسط لبنائه من جديد على نمط المصالح الأمريكية، أي أن صياغة المجتمعات تأتي بعد تدمير مؤسساتها القائمة وهو ما يجري في العراق.
المرارة تنبع من حقيقة أن الانسحاب في الظروف الحالية لن يصدق أحد في العالم أنه ليس هزيمة للولايات المتحدة، مع ما سيرتبه هذا الاعتقاد على تأييد الشعب الأمريكي لمغامرات مماثلة في الخارج، وعلى مقاومة البلدان الأخرى للإملاءات الأمريكية.
البقاء والانسحاب أحلاهما مرّ - افتتاحية الخليج
