هيئة علماء المسلمين في العراق

أقنعة الاحتلال الامريكي المتعددة في العراق - هيفاء زنكنة
أقنعة الاحتلال الامريكي المتعددة في العراق - هيفاء زنكنة أقنعة الاحتلال الامريكي المتعددة في العراق - هيفاء زنكنة

أقنعة الاحتلال الامريكي المتعددة في العراق - هيفاء زنكنة

للاحتلال وجه واحد لكنه يرتدي أقنعة متعددة. الاول، الاكثر وضوحا، هو الاحتلال العسكري المباشر. والثاني هو الاقتصادي الذي يربط البلد بقيود العبودية الخانقة علي مدي عشرات السنين. والثالث هو الاحتلال المستهدف لبنية المجتمع وهويته. وتحت النوع الثالث يمكن تصنيف عمل معظم مؤسسات الاحتلال الامريكي ـ الصهيوني المنتشرة في العراق، حاليا، اما بشكل مباشر او غير مباشر لتكريس السياسة الامريكية في المجالات التعليمية والفكرية والمجتمعية.

ان واحدة من أهم المؤسسات الامريكية ـ الصهيونية (غير الحكومية) الناشطة في العراق المحتل هي مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. وهي تعمل اما بطريق مباشر كالاشراف علي عقد المؤتمرات وحلقات الدراسة والترويج لفكر الاحتلال وسياسته او غير مباشر من خلال توفير الدعم، باشكاله المختلفة، للعديد من منظمات المجتمع المدني، خاصة النسوية، والمنظمات المدافعة عن (حقوق الاقليات) ومراكز البحوث والدراسات (الديمقراطية) واجهزة الاعلام.

وقد تشكلت المؤسسة في بداية عام 2001، في واشنطن، باسم (أميت: مبادرة تعليمية) من قبل عدد من المليارديرات الصهاينة ادركوا بان شرائح من المجتمع الامريكي، خاصة في مجالي الاعلام والجامعات، باتت تميل نحو تأييد الشعب الفلسطيني وان اسرائيل عاجزة عن الدفاع عن نفسها خاصة اثناء مواجهتها للانتفاضة الفلسطينية.

وقد تم تغيير الاسم بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وان بقي جوهر العمل والولاء الصهيوني المحافظ الجديد هو ذاته. وتبلغ ميزانية المؤسسة 3 ملايين دولار سنويا تحصل عليها كهبات من 27 مليارديرا معظمهم من اليهود، يطلقون علي انفسهم اسم (الحلقة الدراسية) ويجتمعون مرتين في السنة للتداول في اقامة مشاريع مشتركة. وحسب المحرر المعروف جفري بلانكفورد في تقريره عن المؤسسة في 16/3/2006: (انها واحدة من اقوي منظمات اللوبي الصهيوني واكثرها تأثيرا في امريكا. تضم بين مجلس ادارتها اسماء معروفة بمناصرتها للصهيونية وبينهم المحافظون الجدد. وهي مؤثرة اعلاميا حيث تعتبر مصدرا لسبعة مقالات يومية في الصحف واسعة الانتشار. وقد اختار بوش هذه المؤسسة مكانا لالقائه اول خطاب يدافع فيه عن سياسته في العراق. انها منظمة سياسية صهيونية فاعلة).

وتفتخر المؤسسة في موقعها الالكتروني بانها المنظمة (غير الحكومية) الوحيدة التي ارسلت فريقا من المحامين الي محكمة العدل الدولية للدفاع عن حق اسرائيل في بناء الجدار العنصري.

يترأس مجلس ادارة المؤسسة جين كيركباتريك، سفيرة امريكا للامم المتحدة سابقا، والملياردير ستيف فوربس، ومن بين مستشاريها من المحافظين الجدد نيوت غنغريتش الناطق الجمهوري باسم الكونغرس سابقا وويليام كريستول وريتشارد بيرل وجيمس ووسلي رئيس المخابرات الامريكية السابق. اما رئيس المؤسسة فهو كليفورد ماي الذي كان رئيس الاعلام والاتصالات للجنة الوطنية الجمهورية والمعروف بعلاقاته الاخطبوطية في مجال الاعلام والصحافة.

وقد لعبت المؤسسة الصهيونية دورا كبيرا في الفترة السابقة لشن الحرب علي العراق، لتسويق الحرب بحجة التخلص من اسلحة الدمار الشامل، ونشرت العديد من المقالات و( الدراسات ) المفبركة عن علاقة النظام السابق بالقاعدة وبتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وخطر النظام الحاكم علي امريكا والعالم. وتشغل العراقية تانيا كلي، العضو المؤسس لمنظمة نساء من اجل عراق حر، الناشطة لترويج الحرب، منصب مديرة برنامج الديمقراطية في المؤسسة.

تهدف المؤسسة الي الفوز بالحرب الفكرية ضد (الارهاب العالمي) من خلال الاعلام الجماهيري وعبر كل القنوات الاعلامية المتوفرة. من بين القنوات التلفزيونية التي تتعامل معها قناة (الحرة) والتي حضر برنامجها الاول الموجه الي الشرق الاوسط، شخصان فقط هما بوش ومدير المؤسسة كلفورد ماي. ولا يقتصر عمل المؤسسة علي العراق فقط بل يتعداه الي بث (الديمقراطية) في بلدان الشرق الاوسط كلها وتعني خاصة بمهاجمة مقاومي الاحتلال الصهيوني.
العمل الثاني للمؤسسة هو تأسيس شبكة من المنظمات الحليفة التي (تهدف، جميعا، الي تحقيق مبادئ المؤسسة نفسها وان كانت تعمل تحت اسم مختلف)، حسب برنامجها.

وتحت هذا البند تفتخر المؤسسة بدورها قبل الغزو وبعده في تأسيس منظمات المجتمع المدني العراقية او العراقية ـ الامريكية او تكريس الدعم المادي السخي لما هو موجود ويتماشي مع سياستها. فقد قامت المؤسسة، قبل الغزو بشهر، بتأسيس المنظمة النسوية (نساء من اجل عراق حر) برئاسة وعضوية 50 عراقية، من بينهن: صفية السهيل (عضوة البرلمان حاليا) ورند رحيم فرانكي (سفيرة العراق لدي امريكا سابقا) وزكية اسماعيل حقي وتانيا كلي وكاترين ميخائيل وآلاء الطالباني وزينب السويج. وقامت المؤسسة بتشكيل منظمة (الائتلاف الامريكي ـ العراقي للحرية) بعد الاحتلال وذلك لنقل (قصص النجاحات الامريكية في العراق الي الشعب الامريكي). كما قامت 19 امرأة من عضوات نساء من اجل عراق حر بتأسيس منظمة التحالف النسوي من اجل عراق حر (وافدي) الناشطة في العراق تحت غطاء الدفاع عن حقوق المرأة.

وقد عملت المؤسسة مع زينب السويج، مديرة ومؤسسة الكونغرس الامريكي الاسلامي، ومع المنظمة النسائية اليمينية منتدي المرأة المستقلة ذات العلاقة الوطيدة بزوجة ديك تشيني، لتأسيس (مؤسسة المرأة العراقية التعليمية) التي حصلت علي عدد من العقود في مجال التعليم وتغيير المناهج الدراسية. كما حصلت السويج باسم منظمتها علي منحة مادية من الادارة الامريكية ضمن برنامجين اعلنهما وزير الخارجية كولن باول يوم 8 آذار (مارس) 2004، وهما مبادرة الديمقراطية النسائية العراقية والشبكة النسائية الأمريكية ـ العراقية.

وتدعم المؤسسة للدفاع عن الديمقراطيات بقوة عمل المعهد العراقي الذي أسسه باسل الرحيم وكنعان مكية ورند رحيم فرانكي، ومن مدرائه برهم صالح، في واشنطن عام 1991 وحصل علي منحة مادية من المحافظين الجدد. والمعروف ان باسل الرحيم هو مدير شبكة مصارف مارجنت بريدج النشطة في اسواق الشرق الاوسط وقد تم تعيينه كمستشار في وزارة الصناعة العراقية في عام 2004 في مجال خصخصة القطاع العام. وقد التقي مكية وفرانكي ببوش، قبل ايام من غزو العراق. وعندما سألهما بوش عن كيفية استقبال العراقيين للمحتل اجابه مكية بان الشعب العراقي سيستقبله بالزهور والحلوي. وحصل المعهد علي منحة تقارب المليوني دولار لعام 2001 ومليون لعام 2000 والالاف للسنوات السابقة. ويقوم المعهد بنشاطات فعالة ضمن (الائتلاف الامريكي ـ العراقي للحرية) من ناحية الترويج لنجاح (الديمقراطية) خاصة في الاوقات السابقة للانتخابات.

وتتمتع المؤسسة بعلاقة وثيقة بوزارتي الخارجية والدفاع الامريكيتين اللتين طلبتا منها تدريب وفود قيادية في المجتمع المدني العراقي في مجالي الاعلام والديمقراطية خلال عامي 2004 و2005. وشمل البرنامج تدريب (القياديات العراقيات) لمدة عام كامل علي مفاهيم (الديمقراطية الامريكية) والاشراف علي مؤسسة المرأة العراقية التعليمية لصاحبتها زينب السويج.

كما جلبت المؤسسة عددا من رؤساء منظمات المجتمع المدني العراقي الي امريكا في صيف وخريف 2004، اي قبل الانتخابات الامريكية، ليتحدثوا عن مآسيهم تحت النظام السابق وليعلنوا تقديرهم لما قامت به امريكا من اجلهم. فتم نقل اعضاء الوفد الممتنين للحديث في 20 مدينة امريكية وزاروا القواعد العسكرية والتقوا بعائلات الجنود (المقاتلين) في العراق. واجروا أكثر من 500 مقابلة تلفزيونية واذاعية وصحافية لتزكية سياسة بوش ومنح الاحتلال المصداقة المطلوبة.
وتقوم المؤسسة بتنظيم الحملات الاعلامية المتزامنة مع جدول الاحتلال السياسي داخل العراق. حيث دعت زينب السويج وباسمة فخري من منظمة (وافدي) للحديث عن حقوق المرأة في الدستور. كما وفرت المؤسسة الدعم لمؤتمر عن كتابة الدستور اقامه المعهد العراقي للدراسات الاستراتيجية لصاحبه فالح عبد الجبار في لندن.

وتحتفي المؤسسة حاليا بآخر وليد لها، اطلقت عليه اسم مركز معلومات الديمقراطية العراقية. وهو موقع الكتروني يصدر بعدة لغات لتوفير المعلومات للمنظمات الناشطة في مجالي (الديمقراطية وحقوق الانسان). واهم انجازاته لعام 2005 هو نشر (أوراق ديمقراطية) عن مختلف (النجاحات الديمقراطية) في العراق. وبالاضافة الي اسماء المحررين الامريكيين والعراقيين المعروفين ضمن المؤسسة الصهيونية الام مثل وليد فارس وتانيا كلي وزينب السويج ظهرت علي موقع الوليد الجديد اسماء عدد من العراقيين كمستشارين ومن بينهم حسن منيمنه (من المعهد العراقي الذي غير اسمه الي معهد الذاكرة العراقية) ومنذر الفضل (مستشار رئيس وزراء حكومة اربيل ) ومحمد فضل (منظمة اصدقاء الديمقراطية المستهدفة للطالب والمرأة بشكل خاص) بالاضافة الي رئيس المعهد العراقي للدراسات الاستراتيجية.

ان حبل الدعم المادي الذي يربط هذه المنظمات بالسياسة الامريكية والصهيونية أقوي من ان يقطع وهو يمثل سياسة الحرب علي الارهاب التي شملت اعادة صياغة سياسة امريكا تجاه العالم كله، وبضمنها سياستها ازاء المنظمات غير الحكومية أي منظمات المجتمع المدني.

وكان كولن باول قد أكد ملامح السياسة (التبشيرية) عندما قال: (علي المنظمات غير الحكومية ان تضحي مثلما يضحي جنودنا بحياتهم في خطوط جبهة الحرية الامامية. انها، بالنسبة الينا، قوة فاعلة. انها جزء مهم جدا من فيلق مواجهتنا العسكرية). ازاء هذا، هل هناك من يشك بان المنظمات المذكورة لا تزيد عن كونها فيالق عسكرية تحارب دفاعا عن السياسة والمصالح الامريكية وليس المواطن العراقي؟


القدس العربي

أضف تعليق