تحوُّل العراق إلى رمال متحركة للاحتلال لم يعد يخفى على أحد، كما لم يعد ممكناً حتى للمكابر أن يخفي أثرها على إدارة جورج بوش وحكومة توني بلير اللتين تتخبطان وسط سيل المواقف والفضائح والخسائر والأرقام التي تصدر من غير مكان
، والأسوأ فيها هو ما يصدر من الداخل الأمريكي والداخل البريطاني.
في هذا الإطار تندرج الصفعة التي وُجهت إلى بلير أولاً، وبوش ثانياً، من خلال التصريحات التي أدلى بها قائد الجيش البريطاني الجنرال ريتشارد دانات، والتي طالب فيها بانسحاب قريب للقوات البريطانية من العراق، وإلا فإنها ستتعرض لعواقب وخيمة، محذراً في الوقت نفسه من أن بقاء الاحتلال يزيد المشكلات الأمنية في العراق.
القنبلة السياسية التي فجرها دانات في بريطانيا وتطايرت شظاياها لتصل إلى الولايات المتحدة، اضطرت الرئيس الأمريكي إلى التدخل لدى حليفه بلير، ومن ثم إلى ممارسة ضغوط على دانات، أثمرت “تصحيح” موقفه، ولكن بعدما كان قد نشر مفعوله في جهات الأرض الأربع.
قبل صفعة دانات، كانت صفعات أرقام العراقيين الذين قتلوا خلال فترة الاحتلال، وكذلك الأرقام عن النزوح العراقي الصامت داخل بلاد الرافدين وخارجها، وإلى جانبها التحذيرات التي لا تتوقف من حرب أهلية تصب في إطار المخططات الموضوعة لتفتيت العراق ومنع قيامته من جديد كوطن واحد وقوي وذي وزن على مستوى المنطقة.
وأياً كانت مواقف إدارة بوش، وحليفها بلير، في هذه الفترة، فإن العد التنازلي للاحتلال، حتى لو طال قليلاً، قد بدأ، على ما يقول الكثير من المراقبين، ولن تنفع المحافظين الجدد ومعهم بلير محاولات الهروب إلى الأمام في اتجاه افتعال تصعيد ومشكلات في أماكن أخرى للتغطية على خيبتهم ومأزقهم في العراق، بعد ثلاث سنوات ونصف السنة على احتلاله.
مستنقع العراق يشتد على بوش وبلير. ولا مخرج سوى ببرمجة خروج الاحتلال، وفترة انتقالية تتولاها الأمم المتحدة بشكل عادل ومتوازن، تمهيداً لاسترداد العراقيين عراقهم، وصناعة المستقبل الذي يتوافقون عليه في وطن موحد وحر وسيد ومستقل، لا استبداد فيه ولا احتلال، ولا فوضى ولا أي أداة من أدوات الفتنة.
رمال العراق المتحركة - افتتاحية الخليج
