وصلت دراسة، موّلتها إحدى أشهر الجامعات الأمريكية وأكثرها ارتباطاً بالمؤسسة الدفاعية الأمريكية وقام بها أطباء تحت إشراف جامعة أمريكية لا تقل شهرة عنها، إلى تقدير عدد العراقيين الذين قتلوا منذ غزو العراق بحوالي 655 ألف ضحية،
وهو رقم لم يفاجئ أحداً ممن يتابع ما يجري على الساحة العراقية، لكن الرئيس الأمريكي بادر فوراً إلى التشكيك في صحة هذه الأرقام، واعتبر أن لا صدقية لها.
على أي أساس تبني الإدارة الأمريكية تشكيكها وهي تقول عن القتلى المدنيين في العراق “إن القوات المسلحة الأمريكية ووزارة الدفاع لا تجمعان هذا النوع من المعلومات”. وإن كانت تشكك، فلماذا، وهي التي تهيمن على هذا البلد ومقدراته، لا تقدم إحصاء لضحايا الغزو والاحتلال والفوضى وجرائم القتل والفتنة والتطهير العرقي والمذهبي؟
بوش لا يملك بديلاً موثوقاً لأرقام الضحايا لأن قرار إدارته من البداية عدم المبالاة بمن تزهق أرواحهم في أحسن الأحوال، أو لإخفاء حجم الكارثة الإنسانية في أسوأ الأحوال. ومن الطبيعي أن تشكك الإدارة الأمريكية في تقدير عدد الضحايا، لأن هذا الحجم من الذين سقطوا بسبب الحرب وآثارها يقع في نطاق الإبادة الجماعية للشعوب، وهذه جريمة حرب في نظر القانون الدولي تحاول الإدارة الأمريكية النأي بنفسها عنها.
إن الجهة التي أصدرت التقرير جهة أمريكية معروفة بصلاتها بالمؤسسات الأمريكية، واتبعت المعايير العلمية السليمة في التوصل إلى نتائجها التي أثبتت دقتها حين استعمالها في مناطق أخرى من العالم. ولأنها جاءت من جهة علمية موثوقة، ولأنها كشفت عن حجم الكارثة في العراق، فقد أغضبت الرئيس الأمريكي، وهي حقاً تغضب المسؤولين عن شن الحرب على العراق، لأنها تكشف عن حقيقة أنها حرب ضد الشعب العراقي، وليس من أجل بناء العراق، أو اسعاد أهله بالديمقراطية. فما حاجة العراقيين إلى الديمقراطية حينما لا يتبقى منهم أحد للتمتع بها؟ وبمن سيبنى العراق إذا كان يتعرض أهله للإبادة، ولا يجدون وقتا للراحة منها في ظل الاحتلال؟
الوثيقة ناطقة بالانجازات الحقيقية لقوات الاحتلال، وكاشفة عن مقاصدها، وهي بالتالي حكم أخلاقي على نتائج السياسة الأمريكية لا يأبه له الرئيس الأمريكي، لكنها أيضا تقييم سياسي لما فعلته الحرب من إضرار بالمصالح الأمريكية، يخشى الرئيس الأمريكي من تأثيره في الشعب الأمريكي. فالغضب ليس من هول الكارثة التي جرتها حربه على العراق، وإنما من احتمالات الضرر السياسي الذي سيلحق بادارته وبحزبه في الانتخابات الأمريكية.
هذه الدراسة لبنة جديدة في صرح الكشف عما ألحقه المحافظون الجدد من ضرر للمصالح الأمريكية على المستوى الأخلاقي والسياسي والاقتصادي والعسكري، ولذلك، ليس مستغربا أن يكون الرئيس الأمريكي شديد الحنق على الدراسة، لكنه لم يستوعب بعد حين توضع الصدقية في الميزان أنه ليست لديه كفة راجحة عند الشعب الأمريكي، ناهيك عند شعوب العالم.
وحتى لو تم التسليم جدلاً بأن الأرقام مبالغ فيها، كما يقول بوش، وكما قال الناطق باسم الحكومة العراقية، فهل هناك في العراق الآن، عراق الاحتلال بعد عراق الاستبداد، غير القتل والفوضى والفتن والتشريد والتهجير؟ وهل هذا هو العراق المرتجى؟
افتتاحية الخليج
خوف بوش من الأرقام
