هيئة علماء المسلمين في العراق

عالمان متوازيان ... بول روجرز
عالمان متوازيان ... بول روجرز عالمان متوازيان ... بول روجرز

عالمان متوازيان ... بول روجرز

مع ازدياد فقدان حرب العراق شعبيتها داخل الولايات المتحدة، ومع تدني شعبية الرئيس جورج دبليو بوش على نحو استثنائي، تحتاج الإدارة الأمريكية الى مضاعفة جهودها لإظهار الوضع وكأنه يحقق تحسناً مطرداً. وهي تستطيع الإشارة الى حقيقة ان رئيساً جديداً لوزراء العراق قد تم الاتفاق عليه على الأقل، بينما يمتنع البنتاجون عن استبدال ألوف عدة من الجنود الذين استحق وقت عودتهم الى الوطن من العراق. ويترسّم الخط السياسي والإعلامي خطى ذلك، فيقال، ان اتجاه الأحداث في العراق ايجابي، وان ذلك سوف يسمح بسحب عدد كبير من الجنود، في الوقت الذي تجرى فيه انتخابات الكونجرس النصفية في 7 نوفمبر / تشرين الثاني 2006.

ولكن الواقع على الأرض في العراق مغاير تماماً . فقد ذكرت الحكومة العراقية ان 1091 شخصاً قد قُتلوا في بغداد وحدها خلال شهر أبريل/ نيسان، حيث باتت تفجيرات السيارات، والاغتيالات وهجمات فرق الموت أحداثاً يومية. ولم تحظَ الأضرار التي تلحق بالقوات الأمريكية إلاّ بالقليل من عناية وسائل الإعلام في الأسابيع الأخيرة، لأسباب من أهمها عدم وقوع خسائر كبرى في الحوادث الفردية. ومع ذلك لم يكن هنالك تراجع في الهجمات على الإطلاق، حتى رغم ازدياد حصر الجيش الأمريكي نفسه داخل قواعد آمنة كبيرة، بالإضافة الى التنقل عن طريق الجو بدلاً من استخدام الطرق، كلما كان ذلك ممكناً.

ومن التطورات الأخيرة، تزايُد استخدام طائرات النقل من طراز سي - 130 للرحلات داخل العراق، لنقل الإمدادات والأفراد، الذين كان يجري نقلهم في السابق في قوافل على الطرقات. وعلى الرغم من ذلك، ومع تشديد حصر الوجود داخل القواعد، تظل معدلات الإصابات في صفوف الجيش الأمريكي خطيرة فمنذ بداية ابريل/ نيسان قُتل 100 جندي أمريكي، وجُرح نحو ستمائة آخرين.

ولا جديد في فكرة الاحتلال طويل الأمد، وقد طُرحت هذه الفكرة في حقيقة الأمر من خلال مقالة نُشرت في صحيفة نيويورك تايمز قبل ثلاث سنوات، وبعد أسابيع من القضاء على نظام صدام حسين، وتم تحليل هذه الفكرة ضمن زاوية صحافية ، جاء فيها: “إذا كان القصد الأساسي ضمان وجود عراق مستقل تماماً وديمقراطي، فسوف تشتمل علامات ذلك على الإشراك المبكر والجوهري لمنظمة الأمم المتحدة ومنظمات الحكومات الأخرى في إعادة البناء والتحول الديمقراطي، والسحب السريع للقوات العسكرية واستبدالها بقوة دولية لإشاعة الاستقرار، وغياب أي نية للاحتفاظ بوجود عسكري طويل الأمد في البلاد. ولكن الدلائل المبكرة تشير الى أن أياً من ذلك لن يحدث. وفي حقيقة الأمر، تشير كل العلامات الى سيطرة أمريكية طويلة الأمد”.

وبعد ثلاث سنوات من ذلك، يمكن تفسير ما حدث بالادعاء بأن الأمم المتحدة كانت شديدة الحذر (وبخاصة بعد تفجير مقرها في بغداد في اغسطس/ آب 2003)، وأن العديد من الدول الأخرى رفضت المساعدة على عملية نشر الاستقرار، وأن التمرد لا أيّ ضرورة استراتيجية أصلية كان مسؤولاً عن تكثيف حشد القوات الأمريكية.

قد يكون في هذه الاعتبارات ظل من الحقيقة، ولكنها على الإجمال لا تتفق مع العالَم الموازي، الذي تقوم فيه الولايات المتحدة ببناء سلسلة من المجمعات السياسية والعسكرية الهائلة، في مواقع أساسية في أرجاء العراق.

والسفارة الأمريكية الجديدة التي يجري بناؤها في بغداد خير مثال على ذلك فهذا البناء هو الأضخم من نوعه في العالم، وهو في حقيقة الأمر أشبه ببلدة صغيرة منه بسفارة. وهذا المجمع الذي يجري إنشاؤه على أيدي عمال غير عراقيين، وتنفذه شركة مقاولات رئيسية من الكويت، والذي يكلف 592 مليون دولار، تم الانتهاء من بناء ثلثه حتى الآن، ومن المقرر أن يكتمل في أواسط سنة ،2007 ويقدّر أن يكون عدد العاملين في هذه السفارة ألف فرد، وأن تتألف من كتلتين من مباني المكاتب، وعدد من مباني الشقق السكنية، وان تشتمل على مرافق الترفيه الخاصة بها، وأن تكون مستقلة عن موارد الكهرباء والماء في بغداد، التي لا يمكن الاعتماد عليها أبداً، وأن تتمتع بمستويات عالية من الأمن، بما في ذلك احتواؤها على ثكنات ضخمة لفرق مشاة البحرية الأمريكية.

وسوف يحتفظ هذا المجمع بأوثق العلاقات مع الحكومات العراقية في المستقبل، لأسباب ليس أقلها ان مثل هذه الحكومات ستكون معتمدة على الوجود الأمريكي الجوهري في سلسلة من “القواعد الكبرى”، التي يجري حالياً تطوير اربع منها. وأكثر هذه القواعد تطوراً، هي قاعدة بلد، شمالي بغداد، التي خُصص لها سنة 2005 مبلغ 7.228 مليون دولار؛ كما يجري إدخال تحسينات جوهرية على مرفقين آخرين هما قاعدة الأسد في الغرب (التي خصّص للانفاق عليها 3.46 مليون دولار سنة 2006)، وقاعدة الطليل في الجنوب (التي خُصّص لها 3.110 مليون دولار).

وقاعدة بلد قريبة من الناحية الاستراتيجية من بغداد، ولكنها بعيدة بقدر كافٍ عن التجمعات المدينية الرئيسية، ما يجنبها هجمات المتمردين المستمرة، والمراكز الأخرى، بما فيها القيارة في الشمال بعيدة بالمثل. وفي الوقت ذاته، توجد القواعد الثلاث البعيدة عن بغداد في مواقع مناسبة جداً لحماية احتياطيات النفط الرئيسسية. وحقول النفط العراقية الحالية إمّا أنها في الجنوب (وتشملها حماية قاعدة الطليل)، وإما في الشمال (وتشملها حماية قاعدة القيارة) ؛ ويسود التوقع بأن عمليات التنقيب في المستقبل، سوف تكشف وجود احتياطيات ضخمة أخرى في الصحراء الغربية (التي تتم حمايتها على نحو ملائم من قبل معسكر الأسد).

مع استمرار بناء المرافق الكبرى، تقوم القوات الأمريكية بالانسحاب من المراكز الأصغر حجماً. فمنذ مارس/ آذار ،2005 تم إخلاء أربع وثلاثين قاعدة من مجموع 110 قواعد، كما سيجري إغلاق المزيد في الشهور التالية من سنة ،2006 وحين يحدث ذلك، سوف تصبح القواعد الضخمة حقا، مهمة بصورة متزايدة، وذلك لأربعة أسباب:

- أنها جميعاً في مواقع بعيدة نسبياً، ولذا فإن الحفاظ على أمنها أسهل.

- أنها تستطيع التعامل مع طائرات نقل أضخم، ولذا فإن صيانتها لا تعتمد بصورة منفردة على قوافل الطرق السريعة التأثر.

- تستطيع القواعد مثل قاعدة بلد، نشر قوات مهمة من الطائرات العمودية الهجومية، وكذلك الطائرات الضاربة ذات الأجنحة الثابتة مثل طائرات أف 16؛ وهذه متوفرة لمهمات مكافحة التمرد، حيث تُفَضّل بصورة متزايدة على الدوريات المستقرة على البرّ، حتى وإن كان استخدام القوة الجوية الثقيلة يزيد خطر إصابة المدنيين، وما يتبع ذلك من زيادة الغضب المناوئ لأمريكا.

- تقع قواعد بلد، والطليل، والقيارة ضمن حدود العراق، بعيداً عن الحدود مع ايران، ومن ثم في فضاء جوي يتمتع بحماية ثقيلة. وفي الوقت ذاته، تمتد من الشمال الى الجنوب، على طول الجانب الغربي لإيران، ما يجعلها مناسبة على نحو بارز للعمليات الجوية ضد ايران. ويجعلها حجمها وإمكاناتها، الأفضل لحاملات الطائرات في هذا الخصوص، وبخاصة إذا أدى هجوم مبدئي على مرافق ايران النووية الى رد فعل ايراني، يتطلب حملات قصف بعيد المدى ضد سلسلة من الأهداف في ايران.

إن الأهمية الحقة للقواعد الدائمة، قد تكمن في سياق الصورة الإقليمية الأشمل. فبينما قد يُنظَر اليها على أنها تلعب دوراً شبه دائم في حفظ أمن العراق واحتياطياته النفطية من اجل المصالح الأمريكية، فإن دورها الكامن في الحرب الاقليمية القادمة، هو الأهم. وإذا كان الأمر على هذا النحو، فإن مئات الملايين من الدولارات التي تصرف حالياً على تعزيز هذه المنشآت لن تثير الاستغراب.

   

  أستاذ دراسات السلام في جامعة برادفورد، والنص من موقع اوبن ديمكراسي
- الخليج الامارتية : : 2006-10-14  - 08:53:41

أضف تعليق