هيئة علماء المسلمين في العراق

نتائج مدمّرة للفيدرالية فى العراق
نتائج مدمّرة للفيدرالية فى العراق نتائج مدمّرة للفيدرالية فى العراق

نتائج مدمّرة للفيدرالية فى العراق

صحيفة العرب العراق اليوم يقبع فى غرفة العناية الفائقة ويحاول مقاومة الفرز التى وصلت اليه المجموعات العرقية والمذهبية المتصارعة، والأخطر أنه ينحدر نحو الصراع الطائفى الدموى والحرب الأهلية، ما يقطع الأمل بولادة جديدة لعراق واحد، ويؤشر إلى اتجاه اللاعودة والافتراق النهائي. لقد تعثر مشروع المصالحة الوطنية الذى طرحه رئيس الوزراء نور المالكي، والسبب يعود إلى الأسلوب اللاديمقراطى للمحاصصات والصفقات التى اعتُمدت فى حل الأزمة الوطنية.

فنظام الحكم الجديد قائم على الطائفية السياسية، وغياب الدور الوطنى للدولة وسلطة القانون فى مقابل تعاظم دور الميليشيات والسلطات الحزبية، وازدياد فشل الدور الأمريكى بسبب المقاومة العراقية الضارية للاحتلال الذى يتحمل مسؤولية ما وصل اليه العراق والعراقيين، وتفشى ظاهرة الفساد المالى والإداري، وانهيار الخدمات العامة وتردّى الأحوال المعيشية.

كل ذلك يفاقم من عوامل الفرز الطائفى والخصومة الاجتماعية والسياسية، وصلت إلى حالة من التدهور الأمنى حوّلت البلاد إلى جزر عرقية وطائفية منفصلة، يعشعش فيها الارهاب والعنف، وسمتها الأساسية القتل على الهوية والتهجير والتطهير العرقى والمذهبي، مما أدى إلى وصول العملية السياسية إلى طريق مسدود، وتلوح فى الأفق حدة الصراعات وإمكانية نشوب حرب أهلية، ويعرّض العراق ككل إلى مخاطر جدية تتعلق بمستقبله كدولة واحدة وأساسية فى منطقة الشرق الأوسط.

فى الواقع، ان القوى العراقية السياسية والدينية بمختلف تياراتها المنساقة للاحتلال الأمريكى تتحمّل مسؤولية عما وصلت اليه الأوضاع من تردٍ ووضع العراق على حافة الهاوية.

فالصراع الضارى هو حول إعادة تقاسم السلطة والثروة عبر ولوج طريق الانفصال أو إقرار الفيدرالية. ويبدو أن البعض يرغب فى نشوب حرب أهلية لإحداث توازنات اجتماعية وجغرافية، ولعزل أجزاء من العراق عن الكيان العراقى من خلال التهديد بإقامة الفيدرالية التى تعنى تقليص مناطق العراق وحصر عراق المستقبل بإقليم الجنوب والوسط بمحافظاته التسع الذى يطالب به الشيعة، بعد أن يعلن الأكراد دولتهم المستقلة فى كردستان العراق.

ماذا يتوقع المتابعون للوضع العراقى من نتائج سلبية ومدمرة فى حال تحقيق الفيدرالية:

* ستتيح فيدرالية الوسط والجنوب المقترحة امتداد نفوذ إيران فى هذه المنطقة بحكم علاقتها الوثيقة بـ"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية". وقد تصبح الفيدرالية بوابة إيران المباشرة للانفتاح على أمريكا التى هى بدورها محتاجة لإيران فى حربها ضد "القاعدة" و"طالبان" فى أفغانستان وضد "أفغان العراق" وليس من المستبعد ان تتسامح الولايات المتحدة فيما ستجنيه إيران من مكاسب اقتصادية فى العراق، سواء فى حقل النفط أو الأعمار.

* الفيدرالية لن تلغى الخلافات المستحكمة ضمن الدائرة الشيعية ذاتها. ان احتمالات التفجر قائمة والمراهنة على المظلة الإيرانية لن تحول دون انشطار فيدرالية المحافظات التسع واحتدام الصراع بين القيادات السياسية الدينية، كل حسب مراجعها المتناحرة، بالإضافة إلى عامل تفجر مهم هو نفوذ العشائر الذى تزايد مع فوضى ما بعد انهيار النظام السابق بسبب الغزو الأمريكى والذى اتخذ مظاهر سلطوية مرتبطة بدول الجوار. "لا يخفى الكره والتنافس للسيطرة على واردات العتبات المقدسة وعلى النفوذ بشكل عام بين منظمة بدر و"جيش المهدي"، إضافة إلى حزب "الفضيلة" وزعامات دينية أخرى".

* ان الفيدرالية وسيلة لحل مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية، لكنها ليست عملية انتقالية سهلة كما تتوهم بعض القوى السياسية فى العراق. فهى تحتاج إلى خبرة فى إدارة النزاعات، والى دولة قوية بجيش مقتدر ومؤسسات ذات كفاءة تستطيع معها إرساء قواعد البناء الاتحادي. ولكن الجيش العراقى الذى تدربه أمريكا منقسم على أسس مذهبية وحزبية، وليس على مستوى المهمة الملقاة على عاتقه.

* قيام الفيدرالية فى العراق لا يستقيم مع الواقع السياسى المريض وبؤر الفساد المتناسلة التى تعيق بناء الوطن وتتمظهر بهيئة أحزاب وتكتلات دينية وعشائرية وقومية رافعة شعار الديمقراطية زيفاً وتضليلاً للعراقيين.

* القلق لدى الكثيرين من مشروع فيدرالية الوسط والجنوب بسبب مساحة الأرض المشمولة بها وثرواتها والخوف من الاستئثار بها وحرمان المحافظات الفقيرة من خيراتها. كما أن احتمالات تأسيس "دويلة اسلامية" متناغمة مع حكومة إيران غير بعيدة... إضافة إلى القلق أيضاً من سلوك القيادات الكردية التى تبدى استعدادا دائما للمساومة إذا ما ضمنت مكاسب معتبرة، فهى تقبل بالفيدرالية المقترحة ما دامت لا تمس مناطق نفوذها وليس فى وارد اهتمامها إن كان الطرح يحقق فائدة للعراق أم لا.

باختصار، العراق أمام منعطف شديد الدقة والخطورة. الصراع الطائفى المذهبى يزداد حدّة ودموية، والعقلاء الوطنيون القوميون فى بلاد الرافدين وحدهم قادرون على حماية العراق وشعبه من الفتنة التى خطط لها الأمريكيون والإسرائيليون ونجحوا فى قيامها واستخدموا الدم العراقى البريء لتأجيجها. إسرائيل تعرف حجم العراق الكبير فى المعادلة الإقليمية وتعمل لإلغاء هذا الدور القومى الرائد.

أضف تعليق