لو نظرنا ـ بموضوعية واستقراء ـ الي الموت كظاهرة تقع الذات الانسانية فريســــة لها مهما طال هروبها وترحالها، لوجدنا أن الناس ينظــــرون الــــيها بوجهات نظـــــر مخــــتلفة تنطلق عموماً من الابستيمة الثقــــافة التي تتحكم بــــرؤي هذا الانسان أو ذاك...
فالموت فــــي رأي البعض حادثـــة خــــارجية تمر بالانسان لا يعنيه الان الخوض بها، ويحــــاول تجاهلها وجعلها بعيده عن مدار اهتمامه، بل لا يســــاوره أي قلق من المــــوت وفعله الذي يعد نهاية الانسان الحقيقة التي لا شك فيها أبداً.
وهنالك صنف آخر يري أن الموت ليس حادثة خارجة عنا وغريبة عن خريطة جسمنا، بل هي تشكل جزءاً أساسيا من كينونتنا ووجودنا الذي سينتهي عاجلاً أو آجلاً. فالموت ـ وفقاً لهذه الرؤية ـ داخل في نسيج الموجود البشري ولا يمكن اعتباره شيئاً طارئاً أو حدثاً عابراً يمر بنا كما يمر بالذات البشرية في حياتها أي شيء عرضي.
وفي العراق الجريح يَنظر الفرد العراقي للموت في بلادنا التي أصبحت آفلة الصوت والصدي والوجود، برؤية تتماهي وتتساوق مع الاتجاه الثاني الذي يري في الموت جزءا من قوته اليومي المعاش، ولهذا يرفض مقولة (ماركوس اورليوس) التي شبّه بها الموت بسقوط ثمرة تامة النضج، فها هو يموت كل يوم وبعده لم يكتمل نضجه في أساليب وفنون استثنائية انفرد بها بعض مسلحي العراق الذين اساءوا بشكل كبير الي المقاومة العراقية التي تستهدف المحتل، وقد حاولت في هذه المقالة جمع بعض من فنون القتل والموت في عراقنا الميت أصلاً منذ قرون عدة......
1 ـ السيارات المفخخة / ويقوم الفاعلون هنا بوضع كميات كبيرة مـــــن المتفجرات قد تصل الي مئات الكيـــــلوغرامات من مادة (TNT) أو ألـ(C4) في سيارة ثم تترك في مكان وتُفجر من علي بعد أمام جامع أو حسينية أو مستشفي أو في سوق شعبي أو يقودها انتحاري ليفجرها بنفسه في الهدف المطلوب، ويستخدم الفاعلون هـــنا مرات سيــــارات عادية وفي مرات أخري سيارات اسعاف أو سيارات الأمن العراقي أو شاحنة كبيرة من اجل الايهام بالنسبة للاســـعاف وسيارات الأمن العراقي أو للاضرار بأكبر عدد ممكن من الأهـــداف بالنسبة للشاحنة، كما نلاحظ انه في بعض الأحيان تعــــمل هذه الجماعات علي تفخيخ الجثث التي تقتلها وتضعها علي الشارع حتي اذا ما أتت القوات الأمنية لحملها انفجرت عليها، بل قامت بعض الجماعات المسلحة بوضع المتفجرات في بعض الحيوانات الميتة في الشارع أو الحيوانات الأحياء كالحمير والأحصنة وتفجيرها عن بعد متي ما يقترب منها الهدف بل وصل الحد اللامعقول الي استئجار شقة ما ثم توضع فيها كمية ضخمة من المتفجرات لكي تُفجر من علي بعد لتتهدم العمارة السكنية علي رؤوس اصحابها!
2 ـ الانتحاري / وفي هذه الحالة يضع شخص ما ـ اختياراً أو تحت ظروف اكراهية ـ حول نفسه حزاما ناسفا يتألف من مواد متفجرة بكميات تتناسب مع مقدرة الشخص علي اخفائها، ثم يقوم بتفجيرها وسط الأهداف سواء كانوا جنودا من قوات الاحتلال (مع العلم أنها قليلة بل اقل من القليلة) أو عراقيين مدنيين سواء كانوا في جامع أو ذاهبين لزيارة مراقد أئمتهم أو واقفين في صف مستقيم بانتظار التطوع للانخراط في أجهزة الأمن العراقية أو في سوق شعبي وسط الناس او يدخل وسط جنازة او عزاء ويفجر نفسه بل أمام دار العجزة كما حدث في البصرة أخيراً. وقد قام هؤلاء أخيراً بابتكارات جديدة اذ وضعوا المتفجرات في الحذاء من اجل الدخول واجتياز الحرس في الأماكن التي يودون تفجيرها كما فعلوا أخيراً في تفجير جامع برثا.
3 ـ العبوات الناسفة / وهي كمية من المتفجرات تُزرع في الشارع بطريقة غير مكشوفة عبر دفنها في الشارع، حيث تنفجر علي الشخص أو الهدف المطلوب محدثة خسائر كبيرة تتعدي في اغلب الأحايين الهدف المطلوب وتمتد لتصيب المدنيين في الشارع سواء كانوا رجالاً أو نساء أو أطفالاً.
4 ـ قطع الرؤوس / يمارس الفاعلون هنا القتل بطريقة مقززة وتثير الاشمئزاز والتقيؤ اذ أنهم يذبحون ـ كالأضاحي ـ الشخص الذين يريدون تصفيته وقتله، ويصورونه في كاميرات من اجل عرضه، والغريب في الأمر أن هؤلاء يستطيعون قتل هذا الشخص عبر اطلاق النار عليه الا أنهم يذبحونه بآلات غريبة كالسيف أو الحربة أو السكين وغيرها بشكل يدل علي وجود نوازع اجرامية بربرية وأمراض سيكولوجية لاشعورية تتحكم في تصرفاتهم الهمجية.
5 ـ التمثيل بالجثث / حيث نلاحظ هنا تمثيلاً مقززاً بالجثث التي يتم قتلها حيث يقطع الراس حيناً ويوضع علي الصدر أو يرمي في المزابل، أو يقطع وتُشق البطن ويوضع فيها، او يُثقب جسمه بجهاز المثقاب او (الدريل)، أو يتم حرق الجثة أو تفخيخها أو يتم اغتصاب المراة وهي ميتة.
6 ـ الاغتيالات / وهو داء استشري في العراق بشكل مثير للغرابة خصوصاً بعد تفجير المرقدين الشريفين في سامراء، اذ تري أن هنالك اغتيالات واسعة تستهدف السنة والشيعة علي الهوية من قبل مجموعات مجهولة، كما ان هنالك اغتيالات واسعة غير طائفية تستهدف شرائح مختلفة من أبناء الشعب فالأطباء وأساتذة الجامعات والمعلمون والمهندسون وغيرهم من الكفاءات العراقية يتم اغتيالهم في ظروف غامضــــة لا يتم الكشف والاعلان ومعرفة منفذيها ولا أهدافهم أو الغايات التي من اجلها تُنفذ هكذا عمليات يرفضها جميع أبناء الشعب العراقي، بل ان الاغتيالات تستهدف من جهة أخري أشخاصا ليس لهم في السياسة لا ناقة ولا جمل كأصحاب أفران الخبز والخضروات وغيرها من المهن والمحلات التجارية بل ومن يبيع الثلج في الصيف.
7 ـ الهاونات / وفي هــــذا النوع من القــــتل تقوم هذه الجماعة المسلحة بضرب منطقة معينة بقذائف الهاون التي تقع بصورة عشوائية علي المنطـــــقة الآمنة فتقتل الناس المدنيين بلا ذنب ولا جرم، وفي الواقع أن الهاونات في أحيان أخـــري تضرب علي المعسكرات الأمريكية التي ربما نجــــد فيها مبرراً اذا لم تؤد الي قتل العراقي أما أن تضرب منطـــــقة مدنية في الهاونات فهذا ما لا يمكن أن يوصف بأي وصف وتحت أي مسمي شرعي أو مقاوم.
8 ـ الاختطاف / وهنا تقوم هذه الجماعات بخطف أهداف متنوعة سواء كانوا أجانب أو مواطنين أو كانوا جنودا أمريكان أو من قوات الأمن العراقـــية أو من المدنيين أو الصحافيين أو موظفي الوزارات، بل يمكن أن يخطف أي مواطن عراقي علي هويته الطائفية ثم بعد ذلك أما يُقتل أو تدفـــــع فدية له من اجل الاستفادة من أموال الفدية في شتي المجالات سواء كانوا عصابات تبتغي الربح المادي أو مسلحين من اجل تنفيذ عمليات عسكرية.
9 ـ قتل الأطفال والنساء / آثرت أن اعزل هذه النقطة لوحدها لأهميتها الانسانية، اذ أن البعض في العراق ممن يحمل السلاح يقوم باغتيال النساء والاطفال لمختلف الأسباب وهو شي خطير لا أستطيع أيجاد مفردة تلائمه من جهة أولي، ومن جهة ثانية يقع الأطفال ايضاً ضحية القتل والموت لا عن طريق قذائف الهاون التي قد تسقط علي أحيائهم ولا في تفجير العبوات في الشارع التي قتلت من الأطفال والعراقيين أضعاف ما قتلت من جنود الاحتلال... بل قتل الطفولة تم في تفجيران انتحاريان في بغداد عبر سيارة يقودها انتحاري حيث قتلت في الأولي 42 طفلا وفي الثانية 36 طفلا وقعوا في مركز التفجير الانتحاري، وفي صورة اقشعرت منها النفس البشرية واشمأزت من صداها روح الانسان الذي يتعجب لهذا الاجرام والوحشية بل والأيديولوجية التي تسوغ هذا العمل الشنيع.
10 ـ التسميم / وهنا يوزع البعض من الارهابيين حلويات أو أطعمة مسممة أو عبر تفجير يوضع فيها غاز سام كالكلور الذي يؤدي بالتالي الي تسميم المواطنين وقتلهم.
11 ـ قتل الزائرين / في هذه الحالة يُقتل الشيعة القادمون نحو المقامات الشيعية المقدسة لديهم في مناسبات ذكري ميلاد أو وفاة أئمتهم، حيث اما أن يتعرضوا لتفجير انتحاري عن طريق شخص أو سيارة مفخخة أو يضربون بالهاونات وهم في طريقهم نحو المزار أو توضع عبوة ناسفة في طريقهم أو يموتون عن طريق توزيع طعام مسمم.
12 ـ القتل في المواجهات/ هنا يموت العراقي في الشارع عندما تندلع صدفة مواجهات بين المسلحين وقوات الاحتلال فيحصل اطلاق نار عشوائي يؤدي الي مقتل الفرد العراقي كما يمكن أن يحدث ذلك من قبل جنود الاحتلال اذا ما اقتربت منهم أو اذا ما انفجرت عبوة ناسفة أو سيارة مفخخة علي ارتالهم فيبدأون بالرمي العشوائي في الشارع وبالتالي يقع المواطن الذي كان متواجداً بقربهم ضحية لهذه الأعمال.
ويجب التنبيه علي مسألتين مهمتين:
الأولي: أن هنالك وجوها وحركات وتنظيمات مختلفة الانتماءات ومتعددة الوجوه ومتنوعة الأيديولوجيات تقف وراء هذه الأعمال الارهــــابية التي تجري في ارض العراق، فالارهابيون التكفيريون وعناصر القاعدة من جـــهة أولي وأجهزة النظام السابق من جهة ثانية وقوات الاحتلال الأمريكي وعملاؤهم من جهة ثالثة، وعصابات الخطف والاجرام والقتل التي تبتغي الهدف المادي فقط من جهة رابعة بالاضافة الي الميليشيات التي تتقاتل فيما بينـــها وتمارس الاغتيالات والتصفيات لأسباب طائفية من جهة خامسة، والحكومة العراقية التي لم تتحمل مسؤولياتها بصورة كاملة من جهة سادسة ....كل هؤلاء يتحملون مسؤولية ما يحدث في العــــراق وعلي درجـــات متفاوتة.
الثانية: أن المقاومة العراقية ـ كفعل يراد به اخراج المحتل من ارض العراق وليس اعادة النظام السابق أو رفض العملية السياسية برمتـــــها ـ هي حق مشروع لا ينكره الا متكبر سواء كانت هذه المقاومة مسلحة أو سلمية شريطة أن لا تستهدف العراقيين كما هو الحال في بعض فصائل المقاومة المسلحة الشريفة في العراق التي أعلنت أنها ضد استهداف العراقيين والتي نأمل أن تتفق مع حكومة المالكي علي استتباب الأمن واخراج الاحتلال واعادة السيادة الي هذا البلد الجريح النازف منذ قرون عدة.
كاتب من العراق
المذابح والتفجيرات تشارك فيها القوى السياسية والحكومة والأمريكيون.. هكذا يموت العراقيون
