يفصلنا شهر واحد عن الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، التي يقال انها تشكل أشد تنافس خلال سنوات. فجميع المقاعد في مجلس النواب تخضع للتنافس، وكذلك ثلث المقاعد في مجلس الشيوخ.
وسوف يسيطر الفائزون على الكونجرس، الذي لا يزال يدار من قِبل الجمهوريين منذ عقد من الزمن. كما ستوفر الانتخابات مؤشراً مبكّراً على النتيجة المحتملة للسباق الرئاسي القادم للوصول الى البيت الأبيض سنة 2008.
وتتصاعد حمّى التنافس بفعل العديد من القضايا التي تؤثر في الجمهور الأمريكي. ويقال ان قضايا الإرهاب، والعراق وأسعار النفط، متضافرةً معاً، تؤدي الى تذبذب مواقف الناخبين. ويمكن ان تذهب النتيجة في أي من الاتجاهين. وإذا فاز الديمقراطيون، فسوف يُنظَر الى بوش باعتباره “البطة العرجاء”، أي الرئيس العاجز، ولكن إذا تشبّث الجمهوريون بالسلطة، فسوف يُعتَبَر ذلك الوسيلة الأولى للاحتفاظ بالسيطرة على البيت الأبيض بعد تقاعد بوش. كما يمكن ان يمنح ذلك بوش السلطة السياسية الضرورية لمهاجمة ايران.
وقبل ان يخطط بوش أي تدخل أمريكي جديد في الشرق الأوسط، لا يزال مسكوناً بهواجس الماضي. فالقضيتان اللتان تَسِمان فترة رئاسته بميْسِمِهِما وهما العراق وخطر الإرهاب لا تزالان تسبِّبان له صداعاً عظيماً. فقد اضطُرّ قبل برهة قصيرة الى ان ينشر مقتطفات من تقرير متسرّب، عنوانه “تقديرات الاستخبارات القومية”، وهو من إعداد ست عشرة وكالة استخبارات أمريكية. وقد توصلت تلك الوكالات فيه، الى ان حرب العراق قد ساعدت على تفريخ جيل جديد من الأصولية الاسلامية، وأن التهديد الارهابي ضد الولايات المتحدة قد ازداد منذ هجمات 11 سبتمبر/ أيلول.
كما يتعرض بوش كذلك لنيرانِ صحافيِّ التحقيقات العريق، بوب وودوارد، وهو أحد الصحافييْن اللذين كشفا فضيحة ووترجيت في عهد الرئيس نيكسون. وقد صَدَرَ للتوّ كتابُه الثالث، الذي يتحدث عن ادارة بوش.وعنوانه هو “حالة الإنكار” (أو دولة الإنكار). وفي الكتاب، يهاجم وودوارد الرئيس بوش ونائبه تشيني، واصفاً إياهما بأنهما “يبتعدان عن الواقع بصورة متزايدة”. ويصوّر رامسفيلد على أنه شخصية متعجرفة لا تستطيع ان تتقبل اللوم على الذبح والتقتيل في العراق.
في الأسبوع الماضي نشرت مجلة نيوزويك مقتطفات من الكتاب. وعلى حدّ قول المجلة: “إن رامسفيلد الذي صوّره وودوارد، مستأسدٌ ضيق الأفق. وليس بوش أحسنَ حالاً بكثير. فالرئيس شعبي خفيف الدم، ولكنه غافل الى درجة الجهل. ومجلس وزراء حربه شديد العجز عن أداء وظيفته. وتكاد كوندوليزا رايس أن تكون شخصية مثيرة للشفقة، وهي تتشكّى للرئيس من أنها لا تستطيع جعل رامسفيلد يردّ على مكالماتها الهاتفية”.
ويتسم حكم وودوارد على حرب العراق بالإدانة. فقد تعامت إدارة بوش عمداً عن الأخطار التي يستتبعها غزو العراق. ومن أجل إعداد الكتاب، قابل وودوارد رامسفيلد مرتين، ولكنه دهش من سماع وزير الدفاع وهو يحاول ان ينأى بنفسه عن الفوضى في العراق قائلاً، انه “يبعد خطوتين أو ثلاثاً” عن أن يكون القائد المسيطر. ويتساءل وودوارد المتشكك “كيف لا يستطيع ان يرى دوره ومسؤوليته؟”.
وهنالك عامل آخر مجهول يمكن ان يقود الانتخابات في أي من الاتجاهين. إنه مسألة أسعار البنزين. فالأمريكيون، بوَلَعِهم بالسيارات التي تستهلك كميات كبيرة من البنزين، يكرهون دفع أسعار عالية لما يستهلكونه منه. ولكن أسعاره وصلت في الولايات المتحدة خلال فصل الصيف إلى أرقام قياسية. ومع ارتفاع أسعار البنزين، تضاءلت شعبية الرئيس بوش، مما يعني أن هنالك علاقة متبادلة مباشرة بين شعبية بوش وأسعار البنزين. ويقول اندرو كوهوت، رئيس مركز بو للأبحاث: “كانت هنالك قضايا أخرى بطبيعة الحال مثل قضية إعصار كاترينا وقضية العراق ولكن إذا تتبَّعْتَ تصاعد أسعار البنزين لوجدتَ أنها متلازمة تماماً مع انخفاض شعبية بوش”.
ويتْبع ذلك إذن، انه إذا انخفضت شعبية بوش مع ارتفاع أسعار البنزين، فسوف تزداد مع انخفاض أسعاره. وهذا بالتحديد ما يبدو أنه يحدث الآن. فبعد الذروة التي بلغتها الأسعار في يوليو/ تموز وأغسطس/ آب، هبطت في الولايات المتحدة بنسبة 25 30 %. ويعتقد معظم الخبراء بأنها سوف تزداد انخفاضاً في أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني. ومع انخفاضها ازدادت شعبية بوش. وبسبب توقيت انخفاض سعر البنزين، هنالك شكوك منسقة في واشنطن تقول ان الإدارة الجمهورية وكبريات شركات النفط قد تآمرت لخفض أسعار البنزين في الوقت الملائم لانتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني. وبينما يجري استبعاد الذين يقدمون هذا الرأي باعتبارهم من أصحاب “نظرية المؤامرة”، يؤمن العديد من الناس في الولايات المتحدة بذلك. ففي الشهر الماضي، استشهدت وكالة اسوشيتد برس بقول مزارع متقاعد، يدعى جيم مور، من الينوي، وهو يتحدث عن سبب انخفاض سعر البنزين، حيث قال “إنهم يظنون ان خفض الأسعار سوف يساعد على إعادة انتخاب حفنة أخرى من المسؤولين”.
إذن هل تتلاعب إدارة بوش بأسعار البنزين؟ لعلنا نستطيع العثور على إجابات لو عقدنا مقارنة مع ما حدث لأسعار البنزين في أي مكان. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، منذ الارتفاعات في أوائل أغسطس، انخفض سعر البنزين، أو البترول كما يُسمّى، بنحو 11%، أي أقل من الانخفاض في الولايات المتحدة بنحو 15 20 %. وفي ظاهر الأمر، يبدو ان سعر البنزين في الولايات المتحدة، الذي شهد انخفاضاً أكبر بكثير، يمكن ان يكون تم التلاعب به.
ولكن ثمة شيئاً مؤكداً، فإذا نجح الجمهوريون في الانتخابات، فإن ذلك سيزيد احتمال قيام بوش بمهاجمة ايران. ويجادل مايكل كلارك قائلاً، إنه فور انتهاء الانتخابات النصفية، “سيكون لدى بوش دوافع أقل لكبت خطابه بشأن ايران، وقد نشهد ازدياداً حادّاً في الحديث عن ضرب أحمدي نجاد. وإذا لم يتمَّ إحراز تقدم بنهاية العام على الجبهة الدبلوماسية، فتوقّعوا تسارعاً في الاستعدادات للحرب الجارية بالفعل الآن في منطقة الخليج العربي”.
وإذا خاضت الولايات المتحدة الحرب مع ايران، فسوف يتلاعب بوش جِدِّيّاً بسعر النفط عندئذ. وسوف يرتفع السعر أكثر فأكثر فأكثر.
بوش والانتخابات والنفط .... اندي رويل
