تصفّح الفصول الأولى من كتاب الصحافي الاستقصائي الأمريكي الشهير بوب وودورد “حال نكران”، يكشف على الفور صورة الأناس الذين يقودون العالم هذه الأيام.
وهي صورة تبدو مرعبة وفق كل المقاييس: بيت أبيض في حال فوضى دائمة، شبيهة ب “الفوضى الخلاقة” التي تنشرها إدارة بوش في الشرق الاوسط الكبير. سكان هذا البيت في وضعية احتراب دائم بين بعضهم بعضاً: دونالد رامسفيلد يكره كوندوليزا رايس ولا يرد على هاتفها. ديك تشيني يتآمر منذ اللحظة الأولى على كولن باول. الحوارات بين مسؤولي وزارتي الخارجية والدفاع ليست حوارات على الإطلاق، بل هي صراخ وعويل وإدانات تصل أحياناً إلى حد الاتهام بالتآمر.
ثم هناك بعد ذلك المسألة الأهم: صدقية أو لاصدقية الرئيس بوش (الذي فرض، بالمناسبة، “حرماً” على كتاب وودورد الجديد، على عكس كتابيه السابقين). هنا، ومع هذه المسألة، تتدحرج الامور إلى هاوية سريعة يبدو فيها الرئيس الأمريكي إما غير صادق كلياً في كل ما يقول، خاصة حيال العراق، أو أنه غائب عن الوعي ويعيش في كون آخر مواز لهذا الكون.
فهو (بوش) يتحدث عن انتصارات في بلاد العباسيين، فيما هو يقرأ تقارير قادته العسكريين التي تتحدث عن هزائم. وهو يؤكد حدوث تقدم في عملية بناء الدولة - الأمة في العراق، فيما المستشار الخاص فيليب كيليكو يؤكد بعد زيارة طويلة للعراق أن هذا الأخير “لا يزال دولة فاشلة (failed state) تعيش في ظل عنف مستمر وتمر في مرحلة تغيير سياسي ثوري”.
كيف يمكن للعالم أن يطمئن إلى وجود هكذا زعامة له في واشنطن؟ لا اطمئنان بالتأكيد.
لكن الأمر ليس مقصوراً على العالم وحده. أمريكا نفسها باتت تخشى هذه الطبقة الحاكمة، ليس فقط بسبب تهورها وغطرستها وتطرفها، كما يقول وودورد، بل لأمر أكثر خطورة: السرية المطلقة التي تحيط بها نفسها.
فرانسيس فوكوياما، المحافظ الجديد “المتقاعد”، أثار مؤخراً مسألة السرية هذه، واكتشف أن الغموض والكتمان والعمل في الخفاء هي الخيط الذي يربط إدارة بوش الحالية بكل الإدارات الأمريكية السابقة منذ الحرب العالمية الاولى وحتى الآن.
كتب (في “واشنطن بوست”): “في البدء كانت “المؤامرة الشيوعية” على الداخل الأمريكي، هي المبرر لتقييد الحريات وإضفاء السرية على نشاطات المؤسسات الفيدرالية. الآن، وبعد 11 سبتمبر/ايلول، أصبحت الكلمة السحرية هي الإرهاب. لكن، ألن تؤدي هذه السرية في النهاية إلى نسف الركيزة الرئيسة التي استند إليها نجاح المجتمع الأمريكي وهي: التبادل الحر للمعلومات؟”.
سؤال محرج للمسؤولين الأمريكيين؟
ربما. لكنه قابل للعلاج، لو أنه يقتصر على الافتراض بأن السرّية هي تكتيك لا استراتيجية، إذ يكفي هنا ان يتحّرك الكونجرس، بدعم من الإعلام، كي يعيد الأمور إلى نصابها، مثل إصدار تشريعات تحدد بدقة متى وكيف يمكن للسلطة التنفيذية ان تطبق مبدأ السرّية.
بيد أن المسألة أعمق من ذلك بكثير. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في هذا المبدأ نفسه، بل في القوى والأطراف التي تمارسه. وهذه القوى ليست هي نفسها التي تحكم أمريكا، بل تلك التي تقبع في الكواليس لتخطط وترسم في السر ثم يقوم غيرها بالتنفيذ.
عمَّ نتحدث هنا؟
ليس عن الغرف والدوائر المغلقة في وزارات الدفاع والخارجية والأمن الداخلي، ولا حتى عن الجلسات السرية لمجلس الأمن القومي ووكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية، بل عن منظمات خفية لا يعرف الأمريكيون والعالم عنها شيئاً لأنها تتخفى وراء شبكة من المراكز والمؤسسات.
هذه المنظمات هي الحاكم الفعلي في أمريكا، وهي تمارس السلطة في سرية مطلقة.
لكن كيف؟ ولماذا هذه السرّية؟
وكالة الاخبار العراقية
\"منظمات سرّية\" تحكم أمريكا ..... سعد محيو
