هيئة علماء المسلمين في العراق

السعودية والولايات المتحدة: ثالوث النفط والموقع والدين - د. مضاوي الرشيد
السعودية والولايات المتحدة: ثالوث النفط والموقع والدين - د. مضاوي الرشيد السعودية والولايات المتحدة: ثالوث النفط والموقع والدين - د. مضاوي الرشيد

السعودية والولايات المتحدة: ثالوث النفط والموقع والدين - د. مضاوي الرشيد

رغم ما يقال عن العلاقات السعودية ـ الامريكية وتطورها خلال نصف قرن الا ان هذه العلاقة قائمة علي ثالوث يصمد في وجه التحولات السياسية السابقة والحالية. قد تمر العلاقة بمرحلة وئام تام وقد يشوبها بعض سوء الفهم الا ان قاعدتها صلبة لا تزعزعها عمليات ارهابية هنا او هناك ولا انتهاك لحقوق الانسان او ما شابه، الثالوث يعتمد علي ركن النفط والموقع الجغرافي والدين. اثبت هذا الثالوث انه الثابت الدائم وكل شيء غيره قابل للجدل والتفاوض والتجاوز من قبل الطرفين الشريكين في مصالح معروفة مسبقا ومتفق عليها.
الركن الاول يرتكز علي اهمية النفط السعودي ليس للسوق الامريكية بل للسوق العالمية. هيمنة الولايات المتحدة علي القرار النفطي السعودي ضرورية جدا اولا لانها تمكن الولايات المتحدة من لعب الدور الرئيسي والمحرك الاول للاقتصاد العالمي وثانيا لانها تمكن الولايات المتحدة من التحكم باقتصاديات الدول الناشئة في آسيا وبقية مناطق العالم. فرغم ان الولايات المتحدة لا تعتمد كليا علي النفط السعودي الا انها بهيمنتها علي انتاجه تستطيع ان تؤمن لنفسها احتكارا عالميا يتخطي قدرة الدول الاخري علي لعب الدور الفعال في المنافسة الاقتصادية العالمية. فتبقي حقول النفط وانتاجه وتصديره تحت سيطرة الدولة الوحيدة التي تدعي حمايته، وبهذا تضمن هيمنتها ليس فقط علي السعودية بل علي الدول الاخري التي يعتمد اقتصادها علي نفط السعودية كالهند والصين ودول شرق اسيا الاخري. فمنذ الحرب العالمية الثانية استطاعت الولايات المتحدة ان تزيح الهيمنة البريطانية عن المنطقة لتنصب نفسها حامية الخليج تارة عن طريق قوي محلية كشاه ايران وتارة عن طريق الوجود العسكري في مياه الخليج ومؤخرا عن طريق الاحتلال المباشر والقواعد العسكرية والتي لم تعد تحتضن الآلية العسكرية الامريكية بل القوة العسكرية ذاتها. لن تفرط الولايات المتحدة بنفط السعودية ليس لانها محتاجة له بل لان هذا التفريط سيفقدها القدرة علي التحكم في اقتصاديات دول بعيدة.
الركن الثاني في ثالوث العلاقة السعودية ـ الامريكية يرتكز علي اهمية الموقع الجغرافي. منذ الحرب العالمية الثانية وبالتحديد عام 1944 استطاعت الولايات المتحدة ان تجد لها قاعدة عسكرية في المنطقة الشرقية تحت عقد ايجار او هكذا سمي حينها. ووجدت الولايات المتحدة في هذه القاعدة مطارا يزودها بالوقود والعتاد وهي في طريقها الي الشرق الاقصي وافريقيا، فكما استغلت بريطانيا هيمنتها علي شواطيء الخليج لتؤمن مسيرة قوافلها البحرية الي الهند ورثتها الولايات المتحدة واستغلت هيمنتها الجديدة علي المنطقة من اجل الهدف ذاته.
الموقع السعودي مهم جدا في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وطالما بقيت القيادة السعودية متبنية لسياسة الباب المفتوح مع الولايات المتحدة طالما بقي هذا الموقع مباحا، ومستباحا من قبل الآلية العسكرية والاقتصادية الامريكية. ورغم اللغط الذي دار حول انحسار الوجود العسكري الامريكي علي ارض الجزيرة الا ان ركن الثالوث ما زال صلبا لا يخضع لاي معيار سوي معيار السياسة القومية الامريكية ومصالحها ما وراء البحار. ستظل السعودية جسرا يربط الولايات المتحدة بمصالحها واسواقها وستستخدم الولايات المتحدة هذا الجسر ليس فقط للعلاقات التجارية بل ايضا للمغامرات السياسية حسبما تراه المصالح الامريكية وتمليه مقومات الامن القومي الامريكي.
الركن الثالث في الثالوث السعودي الامريكي هو عامل الدين. منذ ان تعرفت الولايات المتحدة عن قرب علي المجتمع السعودي وتطوره خلال النصف الاول من القرن المنصرم وهي تحاول تجنيد الفكر السعودي الديني لخدمة مصالحها ومشاريعها ليس فقط في المنطقة العربية بل في العالم الاسلامي. منذ اللقاء الاول للقيادة الامريكية بنظيرتها السعودية برز الاسلام كعامل يمكن استغلاله في تثبيت الهيمنة الامريكية ومحاربة اعداء هذه الهيمنة.
وجدت الولايات المتحدة في الاسلام المستقطب من قبل الحكومة السعودية خير ناصر لمشاريعها القربية والبعيدة. واستطاعت الآلة الاعلامية الامريكية ان تنفخ القيادة السعودية الي حجم اكبر من واقعها ومؤهلاتها وقدراتها الفكرية والثقافية والحضارية. وتحاول ان تجعل منها محورا يقود العالم العربي والاسلامي علي حساب قيادات تاريخية لها من الشرعية والارث الحضاري اكبر بكثير من نصيب القيادة السعودية. فعّلت الولايات المتحدة العامل الديني المتمثل باطروحات سعودية محلية لمحاربة اعدائها بدءا بمصر الناصرية والعراق البعثي والحركات التمردية العربية التي هيمنت علي الشارع العربي في منتصف القرن الماضي. وجدت الولايات المتحدة بالاسلام السعودي المستقطب افضل وامضي سيف تحارب به تيارات مختلفة في مناطق متفرقة من العالم العربي والاسلامي. فقضت الشراكة الامريكية ـ السعودية الدينية علي الكثير من طموحات المنطقة بعد ان سلط الاسلام السعودي المستقطب سيف الدين علي اعداء الولايات المتحدة. فأزاح هذا الاسلام حجر عثرة كبيرة علي المستوي الفكري والثقافي كان يقف في المواجهة مع الهيمنة الخارجية. وجدت الولايات المتحدة في الاسلام السعودي ما يمكنها من الطعن في المشاريع القومية والاشتراكية والعربية واستبدال هذه المشاريع بثقافة الانفتاح المزعوم تجاه الرأسمالية الغربية والتي صورت علي انها متناغمة مع روح الاسلام وتقاليده. استطاع الاسلام السعودي المستقطب ان يوهم العالم ولو لفترة وجيزة ان الهيمنة الامريكية اقرب الي روح الاسلام من الشيوعية الكافرة والتي بذل القائمون علي بلورة هذا الخطاب جهدهم الكبير من اجل التصدي له نيابة عن الولايات المتحدة وجيوشها العتيدة.
ثالوث التناغم السعودي الامريكي من اهم قواعد السياسة الخارجية للدولتين وهو ما يفسر الحلف المقدس القائم حاليا والذي يتجاوز عمره نصف قرن. فرغم ان الولايات المتحدة تختلف بفكرها وثقافتها وتطلعاتها وخطابها السياسي الا انها وجدت في السعودية الكثير الذي يقرب المسافات ويردم اكبر هوة حضارية بين شعبين مختلفين. تحالف الاضداد هذا لم يكن ليتوطد ويقدس في البلدين لولا الثالوث السابق الذكر. وليس بالضرورة ان تتحالف الدول لانها مرآة بعضها لبعض بل نجد ان من الطبيعي ان تتم احلاف بين قوي متعددة ومتنافرة. ونذكر علي سبيل المثال موقف رئيس الوزراء البريطاني تشرشل حينما تحالف مع من كان يسميه بالشيطان وهو ليس الا ستالين في سبيل دحض الفاشية والنازية. احلاف الشياطين هي حقيقة تاريخية لا يستطيع احد ان ينكرها. تفرض الاحداث والتقاء المصالح السياسية المرحلية والانية نوعا من اللحمة العضوية بين اعضاء متنافرة وغير منسجمة.
الانسجام السعودي الامريكي علي مستوي القيادة يقابله نفور علي المستوي الشعبي في البلدين وهذا كان ملازما لحالة التقارب القائمة بين الدولتين. ففي الولايات المتحدة وحتي قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر كانت هناك اصوات مرتفعة تنادي دوما بفك الارتباط مع السعودية ولكن بقيت هذه الاصوات هامشية لانها لم تستطع ان تطرح البديل للثالوث السعودي المتمثل بالنفط والموقع والدين. وظهرت المطالبات بالاستغناء عن النفط كليا وتطوير طاقة بديلة. ولكن لم يتطور هذا الحلم الامريكي حتي هذه اللحظة الي درجة تمكن اقتصاديات العالم الاستغناء عن النفط السعودي وان وجد البديل فسيظل مرتفع السعر لفترة طويلة. اما الموقع فهو كذلك موضع للبحث والمشاورة علي الصعيد الامريكي وتتم دوما محاولات للبحث عن بديل للموقع السعودي الاستراتيجي. ولكن يظل الموقع رهينا للارادة السياسية المحلية ولم تجد حتي هذه اللحظة الولايات المتحدة موقعا مفتوحا كالموقع السعودي والذي يخضع دوما للابتزاز من اجل استمرارية الاستباحة الامريكية.
اما الدين فمهما مولت الولايات المتحدة انواعا واطيافا اسلامية ومشاريع حوارية لتشجيع الاعتدال او التصوف او حتي فرق الدراويش فلن تعثر علي اسلام مستقطب كالاسلام السعودي الذي يسبح بحمد ولي الامر ليلا نهارا ويحرم انتقاده ويكتفي بهمسات النصح والارشاد ومن ثم بسلطة سوطه علي كل من خالفه وخالف الولايات المتحدة. اين ستجد الولايات المتحدة منابر تشق الوحدة وتثير النعرات الطائفية وتوبخ المجتمع علي شعوذته وسحره وبدعه بينما تؤصل هذه المنابر لاكبر بدعة عرفها التاريخ الاسلامي الا وهي بدعة طاعة ولي الامر وان كسر الظهور وسرق المال؟ اين ستجد الولايات المتحدة من يرتل آيات التبجيل التي تجعل من القيادة وقراراتها السياسية محطة تاريخية في الفكر والثقافة. لن تجد الولايات المتحدة منبرا اسلاميا يعطي لقيصر ما لقيصر سوي المنبر السعودي الذي استطاع ان يفصل بين الدين والدولة. فللمجتمع سوط الواعظ وللقائد الكلام العذب والاطراء والمديح. اين ستجد الولايات المتحدة اسلاما تتوقف حدوده عند ابواب القصور؟ ستبقي العلاقة الودية قائمة حتي تنهزم اركان الثالوث.


وكالة الاخبار العراقية

أضف تعليق