هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق.. جمهورية الخوف.. سامي مبيّد
العراق.. جمهورية الخوف.. سامي مبيّد العراق.. جمهورية الخوف.. سامي مبيّد

العراق.. جمهورية الخوف.. سامي مبيّد

لقد حضرت خلال العام الجاري، مؤتمراً حول العراق مع عدد من أعضاء الإدارة البارزين، إلى جانب محللين وسياسيين من الشرق الأوسط والعراق. خلال المؤتمر، أُقترح سؤال واحد حول الكيفية التي يتعين على الزعماء العراقيين وفقها العمل لأجل فرض الأمن في الوقت الذي يموت في هذا البلد ما معدله نحو (1500) شخص شهرياً نتيجة لأعمال العنف الطائفي والهجمات \'الإرهابية\'. المشاركون العراقيون، وكلهم أعضاء في نظام ما بعد صدام حسين، بدؤوا النقاش الفكري حول حملات مكافحة 'الإرهاب' وآمن طريقة لتسوية العراق المدمر بفعل الحرب. لقد كان جميع هؤلاء من الذين تعلموا في أجود مدارس أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية فضلاً عن أنهم كانوا ينشطون في التنظيمات المعارضة لصدام. كانت أفكارهم تصلح لنقاش تلفازي أو لخطاب افتتاحي في جريدة أمريكية، لكنها كانت صعبة جداً على التنفيذ عندما حلوا بالعراق!!.

على الرغم من أن الأمر أصعب من أن يعترف به الأمريكيون وحتى العراقيون، يحتاج العراق لشخص قوي لجلب النظام و الاستقرار. في العام 1990، ذهب رئيس الوزراء الهندي وقتها، راجيف غاندي إلى إيران لمناقشة المشكلات في الشرق الأوسط مع الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رافسنجاني. سأل غاندي مضيفه عن الرئيس الذي من الممكن أن يحل محل الرئيس صدام على رأس العراق. وبعد أن تأمل رافسنجاني لدقيقة أجاب: صدام فقط هو الشخص الذي يمكنه أن يحكم بلداً منقسماً جداً ومتعدد الطوائف كالعراق.

هذا التصريح ليس صحيحاً بشكل كلي، ولكنه يحمل الكثير من الحقيقة. لا يحتاج عراق اليوم إلى صدام حسين، لكنه فعلاً، يحتاج إلى زعيم قادر ويمتلك قوة كبيرة من ناحية الشخصية والسلطة، مدعوماً بحكومة مركزية ومتحدة.

هذا النوع من الزعماء هو وحده من يستطيع أن ينزع سلاح الميليشيات بالقوة، وهذا هو الأمر الذي لا يمكن لرئيس الوزراء الحالي، نوري المالكي أن يفعله بسبب تحالفه مع جيش المهدي الذي يقوده مقتدى الصدر!!.

أكثر من هذا، يجب على الزعيم أن يكون قوياً بدرجة كافية تمنحه القدرة على أن يوزّع الوظائف في الحكومة على أساس التميز والكفاءة بدلاً من تقاليد العمالة للنظام مثلما هو سائد في العالم العربي!!.

عندما اقترح هذا الأمر في أشغال المؤتمر، اعترض أحد المشاركين بقوة معللاً ذلك بقوله: "إذا كان إخواننا العرب يفضلون العيش تحت ظل الأنظمة الديكتاتورية فهذا شأنهم. نحن نريد الحرية، نريد أن نعيش حياة ديمقراطية"!... قلت في نفسي: "يا لها من ديمقراطية هذه التي تحكم على الآلاف بالإعدام ليلاً من قبل فرق الموت في شوارع بغداد"؟!!.

ما بين شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس، قُتل ما مجموعه (6599) عراقياً. الأمر في غاية الوضوح الآن، وأكثر من أي وقت مضى، إن ما يقع في العراق ليس ديمقراطية. إنها حماقة طائفية محضة.

في العام 1998، كتب كنعان مكية كتابه الشهير: "جمهورية الخوف"، تحدث فيه عن الرعب الذي ميز عهد صدام حسين. وبكل ما للكلمة من معنى، إن العراق الحالي - مع شديد الأسف - بات جمهورية للخوف مرة أخرى. هذا ما يقوله الصحفيون والمحللون العرب، ويقوله عدد من الملوك والزعماء العرب أيضاً، فضلاً عن عدد كبير من الصحفيين الغربيين أنفسهم، علاوة على أنني سمعته شخصياً من أفواه كثير من العراقيين.

أما في الوقت الحالي فإن مسؤولاً كبيراً في الأمم المتحدة وهو خبير قضايا التعذيب (مانفريد موفاك) يقره إذ إنه صرح مؤخراً بخصوص موضوع التعذيب في العراق بأن "الأمر خارج السيطرة تماماً، الوضع سيئ جداً، وأناس كثيرون يؤكدون على أن الحالة باتت أسوأ مما كانت عليه إبان عهد صدام".
في هذا الإقرار دحض أكيد لمزاعم الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي قال خلال شهر أيلول/سبتمبر الجاري، إن الوضع الأمني الحالي في العراق أفضل مما كان عليه تحت حكم صدام.

بما أن العراق ليس بأفضل حالة مما سبق فما الذي حققته الولايات المتحدة في حربها على 'الإرهاب' إذن؟

تقييم الاستخبارات الوطنية (NIE) الذي أعدته (16) وكالة تجسس أمريكية يؤكد بشكل فظ أن حرب العراق قد ألهبت العواطف في العالم الإسلامي، وأوجدت جيلاً جديداً من المتشدّدين بسبب الحماقات الأمريكية وتعذيب الأسرى. لقد أدّت ممارستها إلى تحوّل راديكالي أكثر في 'الإرهاب' الإسلامي ضد الولايات المتحدة. من بين ما ورد في التقرير هذا أيضاً أنه - بسبب الحرب العراقية - وقعت تفجيرات مدريد في آذار/مارس 2004، مثلما وقعت تفجيرات مترو أنفاق لندن في تموز/يوليو 2005.

ليس هذا كل ما في الأمر، فالتقرير يطالب بانسحاب أمريكي من العراق، ويقول إن هزيمة 'الإرهابيين' في العراق (أو بعبارة أخرى، البقاء طويلاً في الأرض العراقية) ستزيد من احتمالات الهزيمة في مقابل التهديد الإسلامي الدولي.
أما عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، إدوارد كينيدي فلقد استشهد بالتقرير ليقول إن ما ورد في هذه الوثيقة يجب أن يكون بمثابة 'آخر مسمار' يُدقّ في نعش خطابات الرئيس بوش المزيفة حول الحرب في العراق.

في اليوم الذي سُرّب فيه تقرير الـ (NIE) قُتل ما لا يقل عن (20) شخصاً وجُرح نحو (40) آخرين في أعمال عنف بالعراق، وفي اليوم التالي قال الميجور الجنرال المتقاعد بالجيش الأمريكي (جون باتيست)، وهو الذي كان قائداً على الفرقة الأولى للمشاة هناك ما بين عامي 2004 و2005، إن الحرب على العراق: "جعلت الولايات المتحدة أقل أمناً مما كانت عليه في 11 أيلول/سبتمبر، 2001".

بعد أيام قليلة من ذلك، حُرّر تقرير آخر عن العراق من طرف الأمم المتحدة. من أهم ما ورد فيه أن هذه الحرب، قد وفّرت لتنظيم القاعدة، جيلاً جديداً من 'الجهاديين' ومراكز تدريب 'للإرهاب'. ثم يضيف تقرير الهيئة الأممية أن القاعدة باتت تقود التمرد في العراق وتساند في ذات الوقت، مقاومة طالبان في أفغانستان.

بالإضافة إلى قلق إدارة الرئيس بوش هذا، جاء تقرير آخر من طرف أحد مراكز (الثينك تانكس) المرتبطة بوزارة الدفاع البريطانية، ورد فيه أن العراق أصبح 'مركزاً لتجنيد وتوظيف المتشددين الإسلاميين والإرهابيين' قبل أن يواصل التقرير نفسه القول إن: "ما يقع العراق، جعل شباباً واعياً، يتحوّل إلى متطرف بفعل تأثير القاعدة التي أعطتهم الحل، والنية، والغرض، والأيديولوجية التي يعملون وفقها".

أما جامعة ماريلاند فلقد أجرت استفتاءً أظهرت من خلاله أن ما لا يقل عن 71% من العراقيين يفضلون أن تطالب حكومتهم القوات الأمريكية بأن تغادر خلال عام في حين أن 77% من هؤلاء يعتقدون أن هذا الأمر لن يحدث؛ لأن الولايات المتحدة 'اعتزمت' الاحتفاظ بقواعد دائمة لها في العراق. لقد كان العراقيون الذين شملهم الاستفتاء ألف شخص اُختيروا بطريقة عشوائية من (18) إقليماً في العراق.

هنالك أيضاً استفتاء آخر، أجرته كتابة الدولة الأمريكية نفسها توصل إلى أن نحو ثلاثة أرباع المجيبين قالوا إنهم سيشعرون بالأمن في حال ما إذا غادرت القوات الأمريكية بلادهم، فيما قال 65% من بين المستجوبين إنهم يريدون انسحاباً فورياً، وهذا ينطبق على كل المناطق العراقية باستثناء المناطق الكردية "المؤيدة لأمريكا". لقد جاء تقرير كتابة الدولة في (20) صفحة.

أما الاستفتاء الأخير الذي أجرته جريدة (لوس أنجلوس تايمز) ومحطة (بلومبيرج)، فلقد أظهر أن 55% من الأمريكيين يعتقدون أن وضع العراق تحت حكم صدام لم يكن يستدعي القيام بشن الحرب، فيما أكد 11% من بينهم أن 'المتمردين' هم بصدد تحقيق فوز في هذه الحرب على حساب الأمريكيين، في حين أن 63% - بطريقة صحيحة جداً - أكدوا أنْ لا أحد من الفريقين فائز في الوقت الحالي.
إنه إذا كانت الولايات المتحدة مصممة على أن تكمل حتى النهاية، فإن هذه هي بعضٌ من القضايا التي يتوجب عليها أن تجيب عنها لأجل إنقاذ العراق من 'جمهورية الخوف' الحالية فيه!!.
________________________________________
(1) يمكن قراءة المقالة من موقعها الأصلي على هذا الرابط:http://www.atimes.com/atimes/Middle_East/HI30Ak02.html

ترجمة: بتول عبد الحق    12/9/1427       
05/10/2006

الاسلام اليوم

أضف تعليق