يعيش العراق المحتل، خاصة مدينة بغداد، حالة استنفار شامل سياسيا وعسكريا.
فها هو رئيس حكومة الاحتلال جلال الطالباني يعلن بعد عودته من واشنطن واستعطافه قوات الاحتلال ان تبقي وتبني القواعد العسكرية كيفما شاءت، ان خطوات مهمة علي طريق ( المصالحة الوطنية) سيعلنها رئيس الوزراء خلال الايام القليلة المقبلة من بينها اجتماع وحوار مع المسلحين. واستقبل رئيس وزراء الاحتلال نوري المالكي زعيم الاغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الامريكي مصرحا امامه بشجاعة يحسد عليها بان سياسة حكومته مع الميليشيات قائمة علي احتوائها باتجاهين سياسي وعسكري وأن لا مكان للميليشيات في الدول المتحضرة!
كما تزايد اللغط عن مؤامرات إنقلابية توافقت مع فرض حظر التجول فجأة ببغداد وإتهامات ومهاترات حول ان الحمايات المتعددة المسلحة لسياسيي الأحتلال قد أصبحت بحد ذاتها ميليشيات لها حقوق القوات الأمنية الأخري.
والتقي وزير خارجية الاحتلال هوشيار زيباري بحاكم العراق الفعلي/ السفير الامريكي زلماي خليل زاد ليبحث معه (ولاية القوات متعددة الجنسيات في العراق، والحاجة الي أن يكون هناك موقف برلماني وحكومي موحد من هذه الولاية). وبلغت حالة الاستنفار مرحلة قصوي، تعجز اللغة عن وصفها، عندما أعلن المالكي عن وثيقة عهد وقعها قادة الكتل البرلمانية!
تنص الوثيقة ـ المهزلة: (ان المجتمعين قادة الكتل السياسية المعنية عقدوا العزم في جو اخوي صادق علي تطبيع الاوضاع والتخلص بصورة مشتركة من حالة الاحتقان الطائفي والسياسي الي الابد). ولكي لا ينتاب الناس الشك بصحة العهد، سارعت الادارة الامريكية للاعراب عن ترحيبها بالوثيقة ودعمها لها.
وقبل ان يجف حبر الوثيقة، التي كان الهدف منها ان تكون شهادة حسن سلوك عن مبعدة، وجد الموقعون انفسهم وجها لوجه امام ربة عملهم الآنسة كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الامريكية، وهي تحط في بغداد في زيارة غير معلنة بعد زيارتها المعلنة جدا الي دولة الكيان الصهيوني. فما هو سبب الزيارة المفاجئة ولماذا حالــة الاستنفار؟
السبب الاساسي هو ان الانتخابات الامريكية باتت قريبة جدا وان تدهور الاوضاع الأمنية في العراق بات مؤشرا ان لم يكن خطرا فهو حرج بالنسبة الي نتائج الانتخابات المقبلة وامكانية خسارة الحزب الجمهوري امام خصمه الديمقراطي فيها. ومفهوم تدهور الاوضاع الامنية حسب مقياس الاحتلال لاعلاقة له بحياة وسلامة المواطن العراقي مهما كانت قوميته او دينه او جنسه. ما هو مهم بالنسبة الي ادارة الاحتلال، في هذه الفترة الزمنية المحددة، هو عدد القتلي من جنود الاحتلال الامريكيين حصرا. لأن زيادة العدد تعني ان مشروع الاحتلال الذهبي لم يعد ذهبيا وان مردود نهب النفط لم يعد كافيا لأن يغض الرأي العام الامريكي طرفه عن الخسائر البشرية. لذلك صارالحديث والتشدق عن المبادرات والمصالحات والغاء الميليشيات في العراق جزءا لايتجزأ من الواقع السياسي الامريكي أكثر منه العراقي. والا ما علاقة زعيم الكتلة الجمهورية في مجلس الشيوخ الامريكي بميليشيات بدر والصدر والجلبي؟ ولقد بلغ التذمر من الوضع العراقي وانعكاسه علي الانتخابات الامريكية حد وصول كوندوليزا رايس الي بغداد مهددة متوعدة بعد وصول عدد القتلي من جنود الاحتلال الامريكي 24 قتيلا منذ يوم السبت الماضي وحتي يوم وصولها أي الخميس. وبما ان نسبة الجرحي هي ثمانية الي تسعة لكل قتيل، حسب الاحصائيات الامريكية، فهذا يعني ان عدد الجرحي قد تجاوز الـ200 جريح خلال خمسة ايام. والمعروف أن في حرب الإستنزاف لا يقل الأثر النفسي والعملي لسقوط الجرحي عن سقوط القتلي في وضع جيش يدافع عن نفسه كوضع جيش الإحتلال في العراق.
لقد بذل عسكريو الاحتلال وموظفوه اقصي جهدهم في الاونة الاخيرة للتخفيف من وطأة الخسارة العسكرية والبشرية التي يتعرض لها الجيش الامريكي. واشتغلت ماكنة التضليل الاعلامي بشكل مكثف. فقد صرح المتحدث الرسمي باسم قوات الاحتلال الجنرال وليم كالدويل بان السبب هو انعدام الثقة بين الشرطة العراقية والمواطنين. وان (وزارة الداخلية العراقية قررت التحقيق في إحتمال تورط اللواء الثامن الفرقة الثانية بالشرطة الوطنية، المسؤول عن منطقة شمال غرب بغداد، مع فرق الموت). وطرح في نهاية تصريحه فكرة مفادها ان (ترتدي ألوية الشرطة التي تكمل تدريباتها بزات خاصة مختلفة عن تلك التي كانت ترتديها، بعدما ثبت أن مسلحين ارتكبوا عمليات خطف وتعذيب وقتل وهم بلباس الشرطة). وكأن البزات الجديدة لن تكون معروضة للبيع في الاسواق العراقية بأبخس الاسعار ومن قبل القوات الامريكية ذاتها.
وفي الوقت الذي أصدر فيه السفير زلماي خليل زاد وقائد القوات المشتركة جورج كيسي بيانا رحبا فيه بتوقيع وثيقة العهد، صرح خليل زاد، قبل زيارة كوندوليزا رايس بساعات قليلة بأن اسباب ازدياد الخسائر في صفوف (القوات متعددة الجنسيات والعراقيين هي اعمال العنف الطائفي المتركز في بغداد. وان المهمة صعبة في العاصمة رغم الخطة الامنية التي اعتمدتها الحكومة، لان عدد سكان العاصمة يبلغ نحو سبعة ملايين شخص)، ثم انتقل الي مستوي آخر لالقاء اللوم عندما ربط احراز التقدم علي الصعيدين الأمني والسياسي، بتوصل الاحزاب المتعاونة مع الاحتلال إلي اتفاق لوقف نزيف الدم. مما يثبت للمتعاونين مع الاحتلال، بان تاريخ احتلال الشعوب واحد وان تخلي قوات الاحتلال عن المتعاونين معها ساعة الفرار واحدة، مهما كانت كفاءة الخدمة عالية.
وبينما تنشغل الادارة الامريكية واتباعها العراقيون بالانتخابات الامريكية وبحث افضل الطرق للتخفيف عن كاهل المواطن الامريكي وتأمين سلامته، يتلقي المواطن العراقي، في شهر الصيام الكريم، الضربة اثر الضربة. فالوضع الاقتصادي في تدهور مستمر، والبطالة مرتفعة خاصة بين النساء، وملايين المواطنين الذين يعتمدون علي البطاقة التأمينية يعانون من سوء وخلل توزيع مفردات البطاقة التموينية لشهر رمضان حتي باتوا يأكلون ويشربون الوعود بدلا من المواد الغذائية. وساعات التزويد بالكهرباء تحولت في حياة الناس الي سراب يحلمون به ولا يتلقونه.
أما محطات تعبئة الوقود فهي البيت بعد البيت. حيث ازدادت طوابير السيارات الممتدة امامها للتجهيز بمادة البنزين وبقية انواع الوقود مع اقتراب الشتاء، فيما كشفت وزارة النفط عن وجود أزمة حقيقية تواجهها لتجهيز المواطنين. وقد ازداد عدد المعتقلين من نساء ورجال في معتقلات الاحتلال بانواعها منذ ان تفضل المالكي باطلاق مبادرة ( المصالحة الوطنية) كجزء من حماة الترويع والارهاب العسكري المستهدف لمدينة بغداد. وازداد عدد الجثث التي يتم العثور عليها يوميا في ارجاء العاصمة وهي مكممة ومعرضة للتعذيب والتشويه. وفي الوقت الذي التقت فيه وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس مع الطالباني مساء الخميس علي مأدبة إفطار، كانت قوات الشرطة قد عثرت علي 35 جثة مجهولة الهوية في بغداد وضواحيها، أحدها مقطوعة الرأس.
وان معظم الجثث بدت عليها آثار تعذيب جسدي وقد اصيبت بطلق ناري. وبينما كانت وزيرة الخارجية الامريكية تتناول حلويات شهر رمضان المبارك مع نوري المالكي قتلت القوات الامريكية ثلاث نساء وطفلا في السماوة، ولقيت امرأة مصرعها واصيب مدني بجروح عندما قامت القوات الامريكية بفتح النار عشوائيا علي المواطنين بالقرب من جامع الحضرة المحمدية وسط الفلوجة لافساح الطريق امامها. وقد أشار مصدر أمني موضحا للمراسلين: (ان القوات الامريكية غالبا ماتقوم باطلاق النار بشكل عشوائي عندما تريد افساح الطريق امام دورياتها). بعد هذه المجازر المتكررة، هل تحتاج كوندوليزا رايس ان تزور العراق بشكل مفاجئ وتلتقي بعملائها لتفهم لماذا تزداد عمليات المقاومة الوطنية ضد قواتها؟
القدس العربي
رايس في مأدبة افطار مع موظفيها - هيفاء زنكنة
