ما الذي يجري في العراق اليوم؟ لم يعد ثمة شك في أن ما يجري شكل من أشكال الحرب الأهلية ، ولكنها إلى الآن حرب بين طرفين غير متكافئين ، ما يجعل القتل في صفوف العرب السنة أكثر بشاعة منه في صفوف الآخرين ، ليس فيما يتعلق بالكم فقط ، ولكن فيما يتعلق بالنوع أيضاً ، وهذا هو الأهم.
إذا كنت ممن يتلقون بيانات هيئة علماء المسلمين ، فستصاب بالرعب من حجم القتل المستهدف في صفوف العرب السنة ، إذ لا تحتاج إلى كثير من الذكاء كي تدرك أن نخبة هذه الفئة من العراقيين قد غدت برسم الاختطاف والتعذيب والموت ، وبوسائل لم يمارسها القتلة من قبل. لا خلاف على أن الطرف الآخر يمارس القتل أيضاً ، ولكنه كما قلنا مراراً قتل عشوائي بلا قيمة يمارسه قوم يسيئون إلى العرب السنة ومقاومتهم المشروعة للاحتلال ، في ذات الوقت الذي يمنحون فيه الطرف الآخر فرصة القتل بدم بارد تحت ذريعة الدفاع عن النفس في مواجهة التكفيريين والصداميين.
وفي العموم فإن فعاليات العرب السنة لا تكف عن إدانة تلك الأعمال ، وما هبّة بعض العشائر السنية الجديدة في مواجهة تلك الأعمال المرفوضة سوى دليل آخر على الموقف الرافض لاستهداف الأبرياء.
ما لا يريد أولئك القوم الاعتراف به هو أن ثمة مقاومة مشروعة للاحتلال ، وهي مقاومة حقيقية وشرسة في آن ، وها هو كتاب الصحفي الأمريكي الشهير بوب وودوورد يؤكد أن القوات الأمريكية تتعرض لهجوم كل 15 دقيقة في العراق ، ما يعني أنه لو تحول هذا الجهد نحو الاقتتال الأهلي لكان المشهد مختلفاً إلى حد كبير.
نعود إلى القول إن هذه البشاعة التي تمارسها الميليشيات في قتل العرب السنة وتدمير بيوتهم ومساجدهم ما زالت تتم تحت سمع وبصر المحتلين الذين يهدفون من خلال ذلك إلى دفع هذه الفئة إلى التحالف مع الاحتلال من أجل ضمان سلامتها ، الأمر الذي ترفضه بشدة ، مصرة على جعل تناقضها الأساسي مع المحتلين وليس مع أي طرف آخر.
لكن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هو ذلك المتعلق بسلوك القوى السياسية العربية السنية المشاركة فيما يسمى العملية السياسية ، والتي طالما بررت ما تفعله بالدفاع عن العرب السنة الذين يتعرضون للاستهداف والقتل اليومي ، وها هي بعد أكثر من ثلاث سنوات من دخولها هذه العملية وتمريرها لكل مفرداتها القذرة ، وعلى رأسها الدستور ، تعجز عن تقديم شيء يذكر لمن تزعم تمثيلهم ، بدليل أن استهدافهم ما زال يتم على قدم وساق: بيد المحتلين ، وبيد الميليشيات التابعة للأحزاب الشيعية التي تجلس قبالتها في البرلمان وتجاور قادتها في المنطقة الخضراء.
الأسوأ من ذلك كله هو تمرير هذه القوى للفيدرالية تحت مسمى التأجيل أو بالتزامن مع إعادة النظر في الدستور ، وكل ذلك لن يجدي غير تشريع التقسيم ، لسبب بسيط هو أنه نتاج صفقة بين الأكراد وبين القوى الشيعية ، وأي كلام غير هذا يسوقه زلماي زاد على رموز تلك القوى ما هو إلا استغفال لهم ، ضمن مسلسل الاستغفال الذي مارسه معهم منذ وطئت قدماه أرض العراق.
إنها حرب أهلية ، ولكنها بين طرفين غير متكافئين ، لأن أحدهما مشغول بحرب المحتلين ، فيما لا شغل للطرف الآخر غير الاختطاف والتعذيب والقتل. وهي بين طرفين أحدهما تمثله قوىً تعرف ما تريد وتمارس السياسة بأعلى درجات الذكاء ، فيما تمثل الطرف الآخر قوى مراهقة لا تجد لها ملاذا غير الركون إلى سفير أمريكي لا هم له غير إخراج دولته من نزيف مالي وبشري تسببه المقاومة ، حتى لو تم ذلك عبر إبادة العرب السنة جميعاً.
العرب السنة في عراق اليوم أيتام حقيقيون ، إذ تمثلهم قوىً سياسية مراهقة يلعب المحتل برموزها ، فيما يغيب العرب.
وكالة الاخبار العراقية
حرب أهلية بين طرفين غير متكافئين ...- ياسر الزعاترة
