الهيئة نت
امرأة عراقية تجاوزت الخمسين من عمرها يقتل ويعتقل فلذات كبدها الواحد تلو الآخر وتقف صامدة كصمود نخيل العراق الأشم لم تكن تلك المرأة التي حباها الله بالصبر والحلم على دراية بما سيحدث لها في عهد الحرية والديمقراطية المزعومة
تقاسمت تلك المرأة الصبور شظف العيش مع فلذات كبدها داعية الله عز وجل ان يحفظهم من عاتيات الزمن . وهذه حال كل امرأة عراقية حتى جاء ذلك الكابوس الأشر الذي احدث في مجتمعنا ما أحدث فلم يكفهم احتلال بلد الرافدين ونهب ثرواته ، بل راعهم تكاتف العائلة العراقية بمكوناتها وأطيافها المعروفة ، فارادوا ان يضعوا الأسفين الحاقد لينسفوا كل ما هو جميل على ارض العراق .ليزداد بعد ذلك عدد الايامى والثكالى واليتامى وليمزقوا وحدة هذا البلد السليب.
نساء العراق كلهنّ خنساء
في وطن تلوث ترابه بلون احمر قان ، ومن بيوت ابتلاها الله باحتلال مستبد ومن شعب رحل ويرحل عنه ابناؤه واحداً تلو الآخر ما بين ( شهيد ومظلوم ومعذب ومغدور) ،ومن مدن تمسي وتصبح على انتهاكات ومداهمات واعتقالات من دون سبب ، ومن طرقات خيم الخوف والرعب على ارصفتها ،وعلى ضفاف نهرين شكت مياههما من رحيل النوارس عنها..
نفتح لكم اليوم جرحاً جديداً اصيبت به عائلة عراقية شريفة، سالت منه قطرات كتب فيها من اجلك ياوطني تهون الروح ويهون الولد . ويفنى كل شيء ويبقى ترابك طاهراًَ لا يدنسه احد...
يبدو ان ليلك ما زال يخنق سماءنا ياعراق ، وظلامه جعل الامم تتكالب عليك كتكالب الأكلة على قصعتها . فنراهم اليوم يريدون ان يمزقوك الى اشلاء متناثرة لا يعرف اولها من آخرها وكل حزب بما لديهم فرحون .
كلمات فجرت القلوب وحركت الجماد من قسوتها في كل من حضر هذا اللقاء ، كلمات صدرت من فم امرأة عراقية اصيلة ، تبلغ من العمر (55)عاماً . عانت الكثير لكي تربي ببساطتها اسرة فاضلة شرفت العراق بماضيه وحاضره وستبقى عنواناً للبطولة والفداء يذكره التأريخ في المستقبل.
اما يكفيك يابلدي من هموم ليظهر لنا همّاً جديداً. اوليست نجوم الليل شاهدة على جرمكم وشمس النهار ساطعة تفضح خباياكم. يا من حملتم هذه البلاد المزيد من الجراح وشوهتم بالقتل والتهجير وجه الصباح ويامن ابكيتم الاطفال والنساء على اب وأخ وابن دمه على الارض ساح.
تحكي لنا خنساء اليوم حكاية تخص ابطالاً حقيقيين ليسوا كالذين نراهم على شاشات التلفاز يؤدون ادوارهم وتنتهي المسألة ،فهؤلاء الذين نتكلم عنهم لا تنتهي ادوارهم إلا بخروج آخر عنصر من جيش الاحتلال بقيادة القوات الامريكية وخائن من هذه الارض، وتقلع آخر طائرة من سمائنا الزرقاء .احداث دامية جسدت بواقع مرير على ارض اصبح فيها دم المسلم وعرضه وارضه وماله مستباحاً من قبل الجميع . وفي زمن علا صوت البندقية على كل صوت وكل قانون.
(2005الابن الاكبر اول الضحايا)
كنا نسكن قرية (الخالصة) وهي احدى القرى الواقعة على طريق سلمان باك -الكوت- وولدي موظف في وزارة التجارة .يقوم بنقل الحبوب (الحنطة) من مناطق زراعتها في العراق الى سايلوات الوزارة .
في يوم 2005/1/18 وقبل اسبوع من سرقة سيارة ولدي حدثت امور غريبة في قريتنا كمجيء اشخاص غرباء لا يعرفهم احد من ابناء القرية ويسألون عن ولدي وعنا لأننا كنا من اواخر المنازل التي صمدت بوجه المليشيات اثناء الهجوم وبقية منازل القرية فمنهم من قتل اثناء المواجهات وهو يدافع عن قريته ومنهم من اعتقل على يد الاحتلال ومنهم من عذب ومثل بجثته على يد عناصر المليشيات وأجهزة الداخلية .
في يوم2005/1/25 قامت المليشيات بسرقة السيارة من امام المنزل وذهبوا بها الى منطقة (الناحية) . وعندما ذهب ابني ليطالبهم بها قالوا له لاتخف ان سيارتك بامان وأعطوه وصلاً باستلامها بعد عدة ايام من ذهابه.
وذات يوم ذهب ولدي الى الموصل ليجلب الحنطة نصبوا له كميناً من خلال وضع سيطرة وهمية على طريق الموصل وكانوا يرتدون زي الشرطة ، واثناء عودته امروه بالتوقف وقالوا : افتح لنا باب السيارة الخلفي قال انه مفتوح . قالوا له انزل من السيارة وعندما نزل من السيارة انهالوا عليه ضرباً على رأسه واغمضوا عينيه وقال احد الذين كانوا موجودين بالسيطرة اعصبوا عينه جيداً حتى لا يراني ويعرفني ثم قام احد بضربه والآخر ايضاً وقاموا بسحبه من ساقه، وجسده ممدد على الارض ينزف من شدة الضرب والتنكيل .وضعوه بصندوق سيارتهم وكانت من نوع اوبل ورموه في جزيرة تقع على طريق الموصل .وبعد فترة قليلة وجده احد رعاة الاغنام الذين يعيشون هناك وقام باسعافه وسجل له دعوة في قسم الشرطة وعندما شفي من جراحه اتوا به الى منطقة الدورة لان اخواله يسكنون هناك . وبعد استرداد وعيه وعافيته قام ولدي بالبحث عن سيارته المفقودة واينما يسمع بمواصفاتها يذهب ليتحقق من الامر ،وفي كل مرة يذهب فيها يحمل معه (فايلاً احمر يضم بداخله ارقام ومستمسكات سيارته). وفي مرة قيل له ان سيارته موجودة في منطقة بالقرب من جسر ديالى وعندما ذهب الى المنطقة فوجئ بانه مطارد من قبل اربعة افراد من عناصر المليشيات وعندما حاول الهرب منهم اطلق عليه وابل من العيارات النارية فاصيبت ساقه اليسرى بخمس اطلاقات وثلاث اطلاقات في ساقه اليمنى وطلقة في بطنه فسقط على الارض فهجم عليه افراد العصابة وقاموا بسرقة قمصلته وجهازه النقال ومبلغ قدره (500)دولار كان قد اقترضه من خاله واراد ان يسدد ه . فخرج لهم ابناء المنطقة وهم يقولون ((لا اله إلا الله حسبنا الله ونعم الوكيل)) ولكنه سرعان ما حملوه في سيارتهم ونقلوه الى مستشفى الزعفرانية وحينما وصلوا الى المستشفى انهال عليه المنظفون والمنظفات ضرباً وشتماً وأمروا اطباء المستشفى بوضع سائل (القاصر) له في المغذي ولكن الله كتب له عمراً جديداً فقام احد الاطباء الذين ما زالوا يملكون الضمير باجراء اتصال مع قوات الاحتلال واخبرهم بذلك وعلى الفور جاءت هذه القوات وحملت ولدي الى احدى المستشفيات العسكرية الموجودة في قواعدهم واجروا له عملية تم فيها قطع ساقه اليسرى وبعد ذلك نقلوه الى معتقل (بوكا) في البصرة ولا زال لحد الآن في المعتقل.
ابو دشير مدينة الرعب..
بعد اعتقال ولدي قامت المليشيات بتهجيرنا من القرية ولم يمهلونا وقتاً نجمع فيه اغراضنا وحاجياتنا فخرجنا بالملابس التي نرتديها وذهبنا الى منطقة (ابو دشير) الى بيت اخي الذي كان يسكن بالقرب من جامع (يس) وبعد اسبوعين من وصولنا اراد ابني الثاني ان يعود الى قريتنا ويحضر لنا الملابس لاننا لانملك شيئاً واردنا الاستحمام فملابسنا قد اتسخت .ذهب ولدي وكان من مواليد 1986 هو وابن عمه ليحضروا لنا اغراضنا وقبل وصوله الى القرية الخاصة بنا وقال ان الاخبار التي وصلتكم من ابناء (ابو دشير) باننا مازلنا مراقبين صحيحة فاخرجوا من المنطقة وعندما وصل ولدي وابن عمه الى القرية حدثت مواجهة بين المقاومة وجيش الاحتلال سقط خلالها (24) ضحية نتيجة الرعب العشوائي من قبل جند الاحتلال وكان ابني وابن عمه ضمن الضحايا الذين قتلوا اثناء هذه المواجهات ولا أعرف الى هذه اللحظة اين دفنوا ؟ او اين تقع قبورهم فسكان المنطقة هناك قاموا بدفنهم خوفاً من طائرات الاحتلال التي كانت تجوب سماء المنطقة . وحتى لم احصل على شهادة وفاة لهما .
(منطقة الدوانم هي المحطة التالية)....
وبعد وفاة ولدي وابن عمه رحلنا عن ابو دشير وقام اخي وابناء المنطقة بمساعدتنا في تحميل اغراضنا في السيارة التي تبرع اخي بها لنا وكانت عبارة عن (فراش، اواني طبخ وصحون، وتنور اضافة الى جولة ومبلغ (25000) دينار ، وعندما وصلنا استقبلنا اخوالي الذين كانوا يسكنون هذه المنطقة واقتسموا معنا الزاد والملبس والمسكن لانهم يعلمون بمأساتنا .
وبعد اسبوع من وصولنا قامت المليشيات بملاحقتنا الى هذه المدينة ايضاًُ وتصدى لهم ابناء المنطقة ودارت هذه الاحداث بالقرب من جامع (تركي طلال) وفيها اصيب اخي بجرح بالغ وفي اليوم التالي من الهجوم قامت قوات الاحتلال بمداهمة المنطقة واعتقال اخي ولا اعلم اين هو او في اي معتقل ملقى.
كانت احدى بناتي على ابواب ولادة ولم أعرف اين اذهب بها فالكل رحل عني فلا مجيب ولا منقذ إلا الله .وبعد يوم حضر زوج ابنتي واخوه الينا في الدوانم وقاما بحمل ابنتي ونقلها الى مستشفى الزعفرانية لاجراء عملية لها لان وضع الجنين كان بحالة خطرة ، وعندما وصلناالى المستشفى وبعد برهة من الزمن فوجئنا بقوة من الداخلية تسمى (لواء الذيب ) قاموا بمحاصرة مداخل ومخارج المستشفى والقوا القبض على زوج ابنتي واخيه والجواب نفسه لايتغير مصيرهم مجهول ولانعلم اي شيء .
كلمات مرّة وعلقم الذي بداخلها ولكن المشتكى الى الله وحده فكم من خنساء توجد على ارضك ياوطني الجريح .وكم من فرعون قد تسلط وطغى على اهلك ياعراق
اصوات طرقت ابواب السماء وهي تشكو ظلماً لا ينفك عن ابناء هذا الشعب وحناجر راحت تشجو وتدعو في ايام معدودات رباً كريماً عسى ان يرفع هذه الغمة عن هذا البلد.
خنساء العراق من جديد وسط ركام مآسي المحتل وصنائعه
