ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة من أحداث هي محاولة انقلاب واضحة على الحكومة الفلسطينية المنتخبة برئاسة إسماعيل هنية؛ وهي جزء من مخطط شامل لفرض أصول لعبة جديدة على الشعب الفلسطيني بدت معالمه تتضح مع بدء وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس زيارتها للمنطقة.
حملة التمرد التي قام بها عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومحاولتهم شل مناحي الحياة في قطاع غزة بدعوى الاحتجاج على عدم تلقي الرواتب؛ وما رافق ذلك من عمليات عربدة غير مسبوقة، في ظل تحريض ودعم واضح من قبل قيادات حركة "فتح" ومقربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس؛ كانت الحلقة الأولى ضمن خطة الانقلاب على الحكومة الفلسطينية المنتخبة.
الإسناد الإعلامي الواضح الذي حظيت به حركة التمرد هذه من قبل قيادات حركة "فتح" ومقربي أبو مازن، كان يؤكد منذ البداية أنه قد أعد للأمر عدته، وبالتالي لم يكن ثمة مسوّغ للشعور بالمفاجأة للأحداث بالغة الخطورة التي حدثت بعد ذلك في الضفة الغربية؛ مثل إحراق المؤسسات الحكومية والحركية التابعة لحركة حماس واختطاف وكيل وزارة المالية الفلسطيني؛ ومحاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء ناصر الدين الشاعر، وهي المحاولة التي أُصيب فيها اثنان من حراسه بجراح بالغة الخطورة.
فكيف يعقل أن يغض أبو مازن الطرف عن عملية التمرد التي قام بها منتسبو الأجهزة الأمنية، وكيف تدافع حركة "فتح" عن تجرؤ منتسبي الأجهزة الأمنية على القيام بعمليات الإخلال بالنظام العام والأمن؛ مع أنه لا يوجد أي مسوّغ أن يبادر منتسبو الأجهزة الأمنية تحديداً للمس بالأمن والإخلال بالنظام؟
إن الذي يدفع المرء للشك أن لـ "أبو مازن" دور في التواطؤ والتآمر على الحكومة المنتخبة، هو عدم مسارعته لتحديد المسؤولين عن هذه الأحداث؛ فبدلاً من ذلك بات أبو مازن يلمح أن الشخص المسؤول عن هذه الأحداث هو وزير الداخلية سعيد صيام، على الرغم من أنه من واجب صيام ومسؤوليته المباشرة أن يصدر تعليماته لوقف حالة التمرد، ووضع حد لعمليات الإخلال بالنطام العام والأمن.
فمن ناحية ظاهرية دعا أبو مازن الأجهزة الأمنية إلى عدم التظاهر وعدم تعطيل مظاهر الحياة، لكنه في المقابل لم يحرك ساكناً لاتخاذ أي خطوة عملية بحكم موقعه كقائد عام للقوات المسلحة لوقف هذه المهزلة؛ بل إنه ترك المجال لمقربيه ومستشاريه لكي يواصلوا التحريض على الحكومة، ويؤيدوا مظاهر الانقلاب عليها.
والذي يدل على أن العملية الانقلابية تأتي ضمن مخطط أوسع تشارك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل، هو ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية والأمريكية والفلسطينية حول خطة أمريكية "إبداعية" لإضعاف مكانة حكومة حماس مقابل تعزيز مكانة أبو مازن.
وتتضمن الخطة: استئناف ضخ المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية عن طريق ديوان أبو مازن، مع حرص الإدارة الأمريكية وجميع الجهات الممولة على التأكيد للجمهور الفلسطيني أنه لا يوجد لحركة حماس أو حكومتها أي دور في وصول هذه المساعدات، بحيث يتم إيجاد آليات خاصة لتحويل وصرف أموال المساعدات، بشرط ألاّ يكون لوزارات الحكومة الفلسطينية أي دور في استقبال وتوزيع وصرف هذه الأموال.
وفي نفس الوقت تشدّد الخطة على دعم وتعزيز الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تعمل تحت إمرة عباس، لا سيما جهاز حرس الرئاسة المعروف ب (القوة 17). وحسب ما تؤكده المصادر الإسرائيلية فإن إقرار هذه الخطة بشكل نهائي سيكون خلال اللقاء الذي سيجمع الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء الصهيوني ايهود أولمرت في واشنطن خلال الشهر الجاري.
إن أحد أهم الأسباب الكامنة وراء زيادة حركة "فتح" وديوان أبو مازن من وتيرة دورهما في الحركة الانقلابية على الحكومة المنتخبة -وبشكل فج- هو حالة الإحباط السائدة لدى "فتح" من عدم نجاحها في جر الشارع الفلسطيني للقيام بعمليات احتجاجية أكثر صخباً وإحراجاً للحكومة، الأمر الذي جعلها تستخدم الأجهزة الأمنية بشكل مباشر ضد الحكومة كآخر وأخطر سلاح يمكن أن يوظف في هذه المحاولة.
توظيف الأجهزة الأمنية بكل ثقلها في المحاولة الانقلابية على الحكومة يأتي لتسريع وتيرة سقوط الحكومة، عبر إبراز عجزها وضعفها. وما يحدث في الضفة الغربية هو مخزٍ حقاً لكل من يقترفه؛ إذ إن الذين يتحركون ضد الحكومة هناك ويتآمرون عليها يستغلون وجود الاحتلال هناك لكي يقوموا بجرائمهم.
فهؤلاء يدركون أن سلطات الاحتلال تطارد وتعتقل كل من يثبت أن له علاقة بحركة حماس، وهؤلاء عندما يتحركون ضد حماس ورموزها ووزرائها ومؤسساتها يضعون نشطاء حماس أمام خيارين، أحلاهما مر: فإما يقوموا بالدفاع عن حركتهم ومؤسساتها وقياداتها، وبالتالي يُعدّ ذلك كافياً لكي تقوم سلطات الاحتلال بمطاردتهم واعتقالهم، وإما أن يغضوا الطرف عن تلك الممارسات الانقلابية لكي تؤتي أُكُلها وتحقق أهدافها المرجوة.
بالطبع الذين يتحركون ضد الحكومة في الضفة الغربية يتحركون بأسلحتهم جهاراً نهاراً دون أن يخشوا المطاردة أو الاعتقال من سلطات الاحتلال. واضح تماماً أن العملية الانقلابية تهدف إلى تطويع حركة حماس وإجبارها على القبول بالشروط التي وضعها أبو مازن لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية والتي تتناقض مع مما جاء في وثيقة "الوفاق الوطني".
مع العلم أن هؤلاء يريدون من خلال إجبار حماس على اتخاذ هذا الموقف تعريتها والتدليل على تراجعها أمام الشعب الفلسطيني من أجل القضاء على صدقيتها أمام جماهير ناخبيها. لكن على الرغم من الجهود الكبيرة التي تُبذل لإسقاط الحكومة الفلسطينية فإن هذه المحاولة الانقلابية مصيرها إلى إخفاق ذريع؛ لأن الشعب الفلسطيني -كما دلت التجربة- لا يقبل التساوق مع المخططات التي تنطلق لتحقيق أهداف الاحتلال، وستؤدي هذه الحملة البائسة إلى تحقيق أهداف عكسية تماماً.
الاسلام اليوم
لماذا ينقلبون على الحكومة الفلسطينية؟!.. صالح النعامي
