حين خرج علينا منظرو العولمة قبل حوالي العقدين من الزمن، حاملين وعودا بعالم خال من الحدود، تنساب فيه المعلومات والرساميل والسلع والاشخاص بسيولة بالغة، متحولا بفضل ثورة الاتصالات وتقنياتها المتطورة الي قرية الكترونية.
في هذا العالم المعولم لن تكون هناك بعد الآن ـ حسب نظريتهم ـ حاجة للحروب والاضطرابات بل انصياعا لقطب واحد، لا منافس له، ليقودنا جميعا ومرتكزا في قيادته علي مفاهيم الحرية وحقوق الانسان التي باتت ترقي الي مرتبة القانون الانساني الدولي الذي يجيز تدخل البشرية في أية دولة تنتهك هذه المبادئ او نظام يسعي الي تجاوزها.
ولم تمر سنوات عديدة الا وبهذه العولمة تصبح، بفعل الحرب علي ما يسمي بالارهاب، عولمة امنية حربية تنساب معها الاساطيل والجيوش الامريكية في كل مكان بدلا من الرساميل والسلع والمعلومات، وتنطلق تشريعات تحد من الحريات العامة والخاصة وتجافي بوضوح حقوق الانسان وتفتح المجال لابشع ممارسات التعذيب والاحتجاز غير القانوني والسجون المخابراتية السرية في دول كانت تفاخر بديمقراطيتها واحترامها لحقوق الانسان.
وفيما كان العالم ينتظر تسهيلات في التبادل التجاري، تتحول العقوبات الاقتصادية ضد الدول والشعوب الي ما يشبه السلاح اليومي بيد واشنطن تشهره في وجه اية دولة ترفض الاذعان لاملاءاتها علي نحو لا يشكل نكسة للنظرية الليبرالية في الاقتصاد (وهي جذر فكر العولمة)، بل يشكل ضربة قاصمة للاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي يرفض فكرة العقوبات الجماعية ضد شعوب وامم بسبب الموقف من حكام وانظمة.
وفي المنطقة العربية والاسلامية، كان مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي طرحه شمعون بيريز، في اوائل التسعينات، هو الترجمة الاقليمية لمشروع العولمة علي المستوي الكوني. حيث ظن بيريز انه مع المفاهيم الدولية الجديدة، وفي ظل نتائج حرب الخليج الاولي التي دمرت العراق القوي المنيع عام 1991، وبعد اتفاق اوسلو الشهير مع القيادة الفلسطينية، فان الظروف باتت مهيأة لاطلاق فكرة السوق الشرق اوسطية المفتوحة التي تشكل فيها تل ابيب القيادة الاقليمية، تماما كما تشكل واشنطن او نيويورك قيادتها العالمية.
فأين نحن اليوم من تلك الاحلام الطوباوية التي اطلقتها دول قوية، ونظر لها مثقفون، ووقعت في حبائلها اوساط وجماعات وحركات؟
لقد اسقطت الانتفاضة الفلسطينية فكرة السوق المفتوحة، لتقيم حكومة تل ابيب بدلا منها جدارها العنصري الفاصل حول كيانها الغاصب، فلا تتنازل بذلك عن طموح السوق الشرق اوسطية فحسب، بل لتصيب في العمق احدي الركائز العقائدية للمشروع الصهيوني الذي يعتبر ان ارض اسرائيل تمتد من الفرات الي النيل .
اما فكرة العولمة ذاتها فأخذت تترنح تحت وطأة احتجاجات جماهيرية وتظاهرات كانت تلاحق انعقاد كل المؤتمرات المتصلة بها، بما في ذلك اجتماعات منظمة التجارة العالمية، من بلد الي آخر، واخذت تواجه تحديات من كل انحاء العالم لم تخفف من حدتها توصيفات الرئيس بوش لبعض الدول بانها مارقة ، كما لم تنجح في لجمها حروب كبري شنها البنتاغون في افغانستان والعراق، لا بل ان هذه الحروب قد زادت من اوضاع الهيمنة الامريكية تعقيدا بفعل المقاومة البطلة في العراق التي جعلت الرئيس الامريكي يعترف قبل ايام ان مستقبل الولايات المتحدة يتقرر في شوارع بغداد بعد ان ظن قبل اربع سنوات ان مستقبل العراق والمنطقة بأسرها يتقرر في اروقة البيت الابيض.
وفي الاطار ذاته لم تنجح محاولات انقلابية وتدخلات متعددة، كما جري في فنزويلا، في ايقاف خطر تراجع واشنطن في حديقتها الخلفية في امريكا اللاتينية، خصوصا وقد تحولت هافانا، معقل الثورة الكوبية الصامدة بوجه حوالي نصف قرن من الحصار والتهديد، الي عاصمة لانبعاث حركة عدم الانحياز من جديد.
كذلك لم تنجح تهديدات ومداخلات في ثني كوريا الشمالية عن مشروعها النووي الحربي ولا في اجبار ايران علي وقف مشروعها النووي السلمي.
ولقد وصلت ذروة هذا المأزق الفكري والعملي لمشروع العولمة هذا، مع تصميم الادارة الامريكية علي بناء جدار فاصل مع جارتها المكسيك لمنع تسلل المكسيكيين الي الولايات المتحدة. وقد باتت عاجزة عن استيعاب مهاجرين جدد في ظل اقتصاد متعثر وقاصر عن حماية دولاره الذي خسر ما بين 30 ـ 40% من قيمته، وعن وقف الارتفاع الصاروخي في الدين العام وصل حدود 4 تريليونات دولار (اربعة الاف مليار دولار)، وعن الحيلولة دون التصاعد الملحوظ في عجز الموازنة وقد وصل الي حوالي 400 مليار دولار، وهو الرقم ذاته الذي وصلت اليه النفقات العسكرية الامريكية السنوية وبينها 70 مليار دولار لتمويل العمليات العسكرية سنويا في العراق وافغانستان.
وكما اعلن جدار الفصل العنصري في فلسطين المحتلة وصول المأزق العقائدي والعملي للسوق الشرق اوسطية المفتوحة وللمضمون التوسعي للمشروع الصهيوني الي ذروته الحادة، خصوصا بعد ان تبين ان هذا الجدار لم يعد يشكل، بعد صواريخ المقاومة اللبنانية، اية ضمانة امنية لسكان المستعمرات والمدن الصهيونية، فان الجدار الفاصل مع المكسيك قد شكل ايذانا باعلان صريح للمأزق الفكري والعملي لنظرية العولمة و السوق العالمية المفتوحة التي تربكها ايضا الاجراءات المتشددة التي تتخذها الدول الصناعية الكبري لمنع تدفق هجرة مواطني الدول الفقيرة لها في تناقض صريح مع احدي ابرز ركائز العولمة وهي تسهيل انتقال الاشخاص بين دول العالم.
لكن الامر لم يتوقف عند هذا الحد، فكما ارتبك مشروع بيريز للشرق الاوسط الجديد امام الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية والمواجهة الشعبية العربية للتطبيع، بل وبات صاحبه من وجوه الصف الثاني او الثالث في الطبقة السياسية الاسرائيلية، فان مشروع بوش للشرق الاوسط الكبير بات هو الآخر في حال من الارتباك الشديد قبل ان يخبو نجم بوش نفسه، ومعه نجم المحافظين الجدد الذين رسموا هذا المشروع وأوحوا لبوش انه سيصبح رسولا جديدا للحرية في العالم.
لقد غطي بوش مقاصده الحقيقية من هذا المشروع القائم علي الهيمنة الامريكية والسيطرة الصهيونية علي دول المنطقة من خارجها وعلي التفتيت الاهلي داخلها، بشعارات جذابة كنشر الديمقراطية والاصلاح والتحديث والمعرفة وتمكين المرأة الخ، وباعتباره انظمة الاستبداد والتخلف والتعصب الديني في المنطقة العربية والاسلامية هي المصدر الرئيسي لما يسميه بـ حركات الارهاب ، وبقناعته ان تجفيف المنابع الفكرية والمالية لهذه الحركات لا يتحقق الا بنشر مبادئ الشرق الاوسط الكبير.
وظن كثيرون ان تغييرا جذريا قد وقع للسياسة الامريكية في المنطقة التي كانت تعتمد في نصف القرن الماضي علي ركيزتين رئيسيتين اولهما، وبفارق كبير عن الثانية الكيان الصهيوني، وثانيهما الانظمة الصديقة لواشنطن، فاذا بها في ظل سياسة المحافظين الجدد، تنحو باتجاه الاستغناء عن هذه الانظمة لتبقي الاعتماد الاساسي علي تل ابيب التي سارعت الي استغلال هذا التحول الامريكي لتقوم بعملية ابتزاز ضخمة لتلك الانظمة، وتنتزع منها تنازلات كبري لم يكن سهلا انتزاعها في ظروف سابقة.
لكن هذا الاعتماد الوحيد الجانب علي الكيان الصهيوني لم يكن ناجحا، بل انه بات مكشوفا ومترهلا بعد الهزيمة الصهيونية في لبنان في الحرب العربية السادسة، مثلما بات هذا الكيان مكشوفا ومترهلا في فلسطين المحتلة علي يد صمود الشعب الفلسطيني العظيم، رغم كل محاولات الحصار والفتنة الداخلية، وباتت الادارة الامريكية ذاتها مكشوفة ومترهلة في الداخل والخارج بفعل المقاومة العراقية الباسلة والمقاومة الافغانية المتصاعدة والازمات الداخلية المتفاقمة.
هنا وجد الرئيس بوش، العنيد في طبعه، انه لا بد من العودة الي الاستراتيجية الامريكية التقليدية في المنطقة، اي الي اعتماد رئيسي علي تل ابيب، مع اعتماد ضئيل علي الانظمة العربية التي كانت تحاصرها لسنوات واشنطن ومحافظوها الجدد بدعوات الاصلاح والتحديث.
ولقد وجدت وزيرة الخارجية الامريكية السيدة كوندوليزا رايس (المعروفة بخلافاتها مع رموز المحافظين الجدد: تشيني ورامسفيلد كما كشف بوب ودوورد في كتابه الاخير: حالة الانكار) ان فرصتها باتت سانحة لكي تعتمد علي دول الاعتدال العربي في تنفيذ السياسة الامريكية في المنطقة وان تستخدمها في حربها علي المتطرفين ، مسقطة بذلك مطالب الاصلاح والتحديث ونشر الديمقراطية، وساعية في الوقت نفسه الي تجديد سياسة الاحلاف والمحاور في المنطقة لتجديد خطة الحروب الاهلية العربية والاسلامية، والتي وصلت الي ذروتها في الثمانينات مع الحرب العراقية ـ الايرانية، وهي خطة مترافقة مع خطة اشعال حروب اهلية في الدول والمجتمعات التي لا تذعن لسياساتها، بما في ذلك فلسطين ولبنان والعراق.
وبهذا المعني، فان الشعار الذي تجري في ظله زيارة رايس الي المنطقة دعم قوي الاعتدال العربي يشكل من الناحية الايديولوجية والسياسية تراجعا كبيرا عن مشروع الشرق الاوسط الكبير، ويوحي فعلا بالفرق بين ذلك المشروع الطموح الذي طرحه بوش بعد احتلال العراق وبين الشرق الاوسط الجديد الاكثر واقعية الذي لوحت رايس بولادته من آلام المخاض اللبناني .
اذن نحن في المنطقة امام تراجع جديد عن واحدة من الافكار التي جري الترويج لها في السنوات الاخيرة وتبشر بعصر من الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، تماما كما نحن علي المستوي الدولي امام تراجع يصيب في الصميم مفهوم العولمة وما يرافقها من ليبرالية سياسية واقتصادية مطلقة.
فبين الجدران الفاصلة، وآخرها الجدار مع المكسيك، وبين التقييد المتواصل لحقوق الانسان والحريات العامة والشخصية، وآخرها القانون الذي نجح بوش بتمريره مؤخرا في الكونغرس، وبين الافراط في استخدام العقوبات الاقتصادية ضد كل دولة ترفض الاذعان للاملاءات الامريكية، وآخرها التلويح باستخدامها حتي ضد دول رئيسية كالصين وروسيا، (فيما يخص الملف النووي الايراني) وبين مقايضة الاصلاح والتحديث والديمقراطية بالاعتدال في المنطقة العربية، نستطيع ان نلمح بداية اسدال الستار علي مرحلة عقائدية وسياسية كبري في الولايات المتحدة، وبهذا المعني فـ الليبراليون الجدد الذين ملأوا الدنيا بنظرياتهم الترويجية للعولمة، مدعوون، قبل غيرهم، الي مراجعة نقدية جريئة لكل افكارهم، والدخول في مرحلة ينبغي تفحص معالمها بدقة والتأكد من طبيعتها الامريكية خصوصا اذا كانت هجومية استباقية ام دفاعية تأخذ شكلا هجوميا.
القدس العربي
مأزق الليبراليين الجدد: ماذا بقي من العولمة والشرق الاوسط الكبير؟- معن بشور
