تتدرج الحروب الأهلية من القطيعة الاجتماعية وانخفاض منسوب المصاهرة بين الأطراف المتصارعة وتنتهي عندما يسمى القتل على الهوية.
وغالباً ما تلجأ المعاهد المكرسة دولياً لما يسمى الدبلوماسية الوقائية أو إجهاض الحرب الأهلية وهي تمر بطور الإعداد للاندلاع الى قياس درجة النزاع بمعيار اجتماعي ومنه المصاهرة، وحالات الوئام أو الافتراق في المناسبات العامة، والطقوس السرية التي لا تجهر بها الأطراف خصوصاً عندما تكون ذات تكوين طائفي.
والعراق الذي يعيش حرباً لا تزال تبحث عن اسم غير هذه الأسماء المتداولة في الميديا والحفلات التنكرية لدبلوماسية الاحتلال، تصاهرت طوائفه زمناً طويلاً، وكان الترميز بالأسماء التي تمنح للمواليد أحد أبرز البراهين على عدم وجود قطيعة، فكيف حرق العراق المراحل ليصبح القتل على الهوية شأناً يومياً في مدنه وقراه وعلى الطرقات التي تحتلها الحواجز السيارة والطيارة؟
والقول إن العراقيين أو بعضهم على الأقل أصبحوا يحملون عدة هويات ووثائق بحثاً عن النجاة، ليس ابتكاراً، وليس حكراً على العراق. ففي كل الحالات المماثلة لجأ الناس الى هذه الحيلة بحثاً عن النجاة، فهم مسيحيون ومسلمون وسنة وشيعة وأكراد وتركمان، وكان العراق ولا يزال تاريخياً وجغرافياً يتشكل من حاصل جمع هذه الهويات وليس العكس، لكن الاحتلال الذي كان أشبه بجراحة غليظة، استخدم التخدير الموضعي حيناً والشامل أحياناً كي يعبث بمباضعه الحادة والخبيثة في النسيج الحي، ويقدم تقارير عن جسد يستطيع الحياة بنصف كلية، وربع بنكرياس، وخمس قلب لكن بهوية مزعومة كاملة.
إن حشد عدة هويات في حقيبة من أجل النجاة هو المعادل الفردي لا الموضوعي لتعايش تلك الهويات في بلاد ما بين النهرين، اللهم إلا إذا أراد الاحتلال أن يشكل نهراً ثالثاً من الدم، ثم يقترح له مصباً في واشنطن أو لندن أو حتى تل أبيب! ولأن تلك البلاد هي أرض برج بابل فقد شاء العالم أن يعمم الفوضى البابلية ويخلط الحابل بالنابل والبابل، من خلال نظرية خرقاء هي الفوضى الإيجابية أو الخلاقة.. لهذا تصر الولايات المتحدة على أن ترى الأبقار كلها سوداً في الليل والنهار على السواء قالبة المقولة الهيجيلية الشهيرة رأساً على ذيل.
فالعراقيون ليسوا الآن بالتجانس الإرهابي الذي تصوره الميديا الداجنة، ومنهم أناس يرفضون احتلال أرضهم أياً كانت الذرائع ومنهم من يستشعرون الانتهاك لسيادتهم في الصميم من القلب والضمير.
وقراءة المشهد العراقي على هذا النحو الاختزالي والمخلّ تلبي رغائب من ينزعجون من القراءة البانورامية الشاملة للمشهد والتي ترى الضوء والظلام والإرهاب والمقاومة والوطنية والكومبرادورية المعاد إنتاجها وفق شروط ومساحيق الكولونيالية الجديدة.
أن يحمل العراقي عدة هويات في جيبه أو حقيبته ليبرز إحداها بحثاً عن النجاة، أمر له دلالتان، الأولى إنسانية ومفهومة وتتصل بأعمق عاطفة بشرية وهي الحرص على البقاء، والثانية رمزية لا يعيها من يفعل ذلك، فهو يحمل العراق كله في حقيبته أو جيبه.
وبإمكانه أن يتأمل هذه الهويات الفرعية ويجمعها لأن الوطن أي وطن هو في نهاية المطاف حاصل جمع وانصهار الهويات الصغرى في بوتقة الهوية الكبرى أو الهوية الأم.
أليست مفارقة أن يقول الإعلام إن هناك عشرات القتلى العراقيين يومياً من فئة أصحاب الهوية المجهولة.. بينما هناك آلاف آخرون يموتون رغم أنهم متعددو الهويات.
الدار العراقية
وحدة وطنية في حقيبة .... خيري منصور
